الرئيسيةمقالاتالدّور الرّوسيُّ ما بعدَ احتلال عفرين

الدّور الرّوسيُّ ما بعدَ احتلال عفرين

– بقلم الكاتب السياسيّ والإعلامي: جميل رشيد

   عَمَدَ الاحتلال التركيّ ومنذ اليوم الأول من احتلاله لمقاطعة عفرين، إلى اتّباع سياسة إفراغ القرى من سكّانها الأصليين، مستخدماً أسلوب الترهيب والترويع والاعتقال دون أسبابٍ وجيهة، مُحاولاً فرضَ وقائع تتجاوز حتّى أساليب الاحتلال المتعارَف عليها في الأدبيّات السياسيّة للاحتلال.

فقد تجرّد من كافة الأخلاقيّات والعهود والمواثيق الدّوليّة في الحروب وحماية أملاك وأرواح المدنيين، وخاصّة الأطفال والنساء والشيوخ، وشاهدَ العالم أجمع مظاهر القتل والتنكيل بالمدنيين العزّل، وعلى مرأىً ومسمعِ كافة المنظّمات المدافعة عن حقوق الإنسان، ودون أن تُحرّك ساكناً.

تركيّا عنصر تهديد وعدم استقرار في المنطقة

   الدوافع التي حرّكت الدولة التركيّة ليست فقط محاولة للقضاء على تجربة الإدارة الذاتيّة الديمقراطيّة في مقاطعة عفرين، ومن ثمّ فيدرالية شمال سوريّا، وإنّما هدفها تحويل جغرافيّة عفرين إلى كَيان استيطاني شبيهٍ بما شهدته فلسطين إبّان قيام دولة إسرائيل عام 1948. وتاريخ الدولة التركيّة في غزو واحتلال أراضي دول الجيران لا يخفى على أحدٍ، من احتلال قبرص وبعض الجزر اليونانيّة، وكذلك تمركز قوّاتها في باشور كُردستان.

فأينما حلّت القوّات التركيّة حلّ معها الخراب والدمار، وكانت عنصرَ تهديدٍ وعدم استقرار ليس فقط للمنطقة التي تحتلّها فقط، بل حتّى لمحيطها وجيرانها، وهذا الأمر يسري على عفرين أيضاً.

  وإذا ما أضفنا مشاركة كافة الفصائل الإرهابيّة التي عاثت قتلاً وفساداً على الأرض السّوريّة للقوّات التركيّة الغازية في عمليّة احتلال عفرين، يتبيّن لنا حجم المخاطر التي يحملها التواجد التركيّ الإرهابيّ في عفرين، وتبِعاته التي ستنعكس عاجلاً على كامل السّاحة السّوريّة، فوصول القوّات التركيّة إلى مشارف مدينة حلب باتَ يُهدّد حلب مرّة ثانية، والرئيس التركيّ أردوغان لم يُخفِ مطامعهُ في العودة إلى حلب عبر بوّابة عفرين، وهو كَمَن خرجَ من الباب ليعود من النافذة.

“المجالس المحلّيّة” تُكرّسُ سلطة الاحتلال

   تستمرّ عمليّات السرقة وتخريب البنية التحتيّة في عفرين بشكلٍ مُمنهج ووُفق خطّةٍ مُحكَمة أعدّها الاحتلال التركيّ للقضاء على كلّ ما يمتّ بصلة إلى هُويّة عفرين، فَعَمدَ إلى تغيير كافة معالم عفرين الثقافيّة والحضاريّة والتاريخيّة، ليسوق البعير في أسواقها، ويغيّر أسماء القرى، وفرض اللغة التركيّة كَلُغةٍ للتعليم، عدا عن ربطهِ لعفرين بما يسمّى إقليم “هاتاي” والذي اسمه التاريخيّ “لواء إسكندرونة”، كذلك ألزمَ السكّان حمل البطاقة الشخصيّة التركيّة التي أعدّها لغرض الاستفادة منها في الانتخابات المبكّرة التي ستجري في الــ 24 حزيران القادم.

والمجالس المحلّية التي شكّلها، إنّما هي بمثابة أذرُع لتوطيد سلطته الاحتلاليّة وتمرير سياساته القذرة، عبر استمالة الأهالي من السكّان الأصليين وترغيبهم للقبول بسلطته والانسجام معها، والترويج لها بواسطة الأبواق التي ضمّها إلى كلّ “مجلس”، وفي كلّ ناحية، رغم أنّ كافة الأشخاص وممّن قبِلوا العمل مع الاحتلال وتحت سلطته، هم من الأفراد المنبوذين والذين لفظهم أهل عفرين وجاؤوا إليها على ظهور الدبّابات التركيّة الغازية، ويدعون نهاراً جهاراً إلى التهليل لسلطة الاحتلال والتهجّم على الإدارة الذاتيّة الديمقراطيّة في عفرين، ويعملون مخبرين لاستخبارات الدولة التركيّة، حيث اعتُقل عشرات الأشخاص على أيدي هؤلاء، ومازال مصيرهم مجهولاً حتّى الآن، علاوةً على مباركتهم احتلال عفرين من قبل الدولة التركيّة ومرتزقتها.

الاستخبارات التركيّة تُشرف على عمليّة التغيير الديمغرافيّ

   غير أنّ الموضوع الأخطر في الاحتلال التركيّ لمقاطعة عفرين، هو التغيير الديمغرافيّ الجاري على قدمٍ وساق في كافة ربوع عفرين، فتوطين مهجّري الغوطة وحمص وحماه، فضلاً عن عوائل مرتزقتها ممّن استقدمتهم من مناطق ما تسمّى بـ”درع الفرات” وكذلك من إدلب، إنّما تشكّل سابقةً خطيرةً تهدّد البنية السكّانيّة والديمغرافيّة في عفرين، واستتبعهُ بمَنح امتيازات للمستوطنين عبر الضغط على الأهالي، بما فيها التهديد بالسلاح والقتل لبيع أراضيهم وعقاراتهم، وبأسعارٍ بَخسَةٍ لتمكين المستوطنين من البقاء والاستقرار في عفرين، ودفع السكّان الأصليين للهجرة، فيما يُسهّل بعض المرتزقة من أهالي عفرين عمل الاستخبارات التركيّة؛ التي تتولّى الإشراف على عمليّات التغيير ونقل ملكيّة الأراضي والعقارات، وعلى رأسهم أعضاء ما يسمّون “المجلس المحلّي” إلى جانب ذوي النفوس الضعيفة التي ارتَأت العمل مع المحتلّ، كسبيلٍ للانتقام من الكُرد.

هذا إلى جانب المصاعب التي يختلقُها الاحتلال التركيّ ومرتزقتهِ أمام عودة سكّان عفرين إلى منازلهم، حيث يفرضون أتواتٍ ورسومَ عبورٍ باهظةً على كلّ من يودّ العودة إلى منزله، بالاشتراك مع حواجز النظام المنتشرة على الطريق بين مناطق الشهباء ومقاطعة عفرين، وتصل المبالغ إلى مئات الآلاف أحياناً، فيما يتعرّض معظمهم للإهانات وأحياناً للاعتقال ومصادرة أملاكهم وسيّاراتهم أيضاً، كلّ ذلك في سبيل الضغط عليهم وعدم عودتهم إلى منازلهم، رغم أنّ العودة أيضاً محفوفةٌ بالمخاطر، حيث يتعرّض العائدون إلى الاعتقال والقتل أحياناً إضافةً إلى الابتزاز والسرقة.

أكثر من 60% من سكّان عفرين من المستوطنين

   التغيير الديمغرافيّ الحاصل في عفرين؛ تتشارك فيه عدّة أطراف دوليّة، إقليمية ومحلّيّة، فلم تكن دولة الاحتلال التركيّ تتجرّأ وتقدم على هذه الخطوة، لولا حصولها على الضوء الأخضر وتتوافق مع روسيّا وحتّى إيران، فتحصين العاصمة السّوريّة دمشق وكذلك مناطق الريف الشّماليّ لحمص وحماه وعودتها لحضن النظام، جرت بعد قبولها بتوطين مرتزقة الغوطة وعوائلهم في عفرين، حيث استوطن أكثر من 120 ألف مستوطن في عفرين، ممّا يعني أنّ 60% من سكّان عفرين الآن هم من الغرباء والمستوطنين، هذا فيما فتحت قوّات الاحتلال التركيّ المجال أمام المستوطنين بالاستيلاء “عنوة” على منازل أهالي عفرين وإخراجهم منها بالقوّة، وفتح محال تجاريّة وبأسماء تعود إلى مناطق الغوطة، وحتّى تسمية شوارع وقرى بأسماء قرى وأحياء الغوطة.

صفقات سياسيّة وعسكريّة روسيّة دنيئة

   كان لروسيّا الدور الأوّل والرئيس في تسهيل احتلال عفرين، فالتوافقات التي فرضتها في اجتماعات أستانه، إنّما جرت لتقسيم مناطق النفوذ في سوريّا ما بين الدول الثلاث الراعية لتلك الاجتماعات، والادّعاء بأنّها تعمل على إنشاء مناطق “خفض التصعيد” ما هي إلا لذرّ الرماد في العيون والتسويق لتقسيم سوريّا فيما بينها، عبر صفقات سياسيّة وعسكريّة، أقلّ ما يُقال عنها أنّها قذرة ودنيئة، وتتعارض مع تطلّعات ورغبات الشعب السّوريّ المصادَر رأيهُ وقرارهُ.

   تدّعي روسيّا أنّها مهّدت الأرضيّة لحلّ سياسيّ في سوريّا، عبر مسارات أستانه التسعة ومؤتمر سوتشي الذي لم يكن إلا صدىً لرغباتها هي وشركائها في إعادة احتلال سوريّا وفق مصالحها، لكن روسيّا التي لم تفتأ تلعب على المتناقضات والاصطياد في المستنقعات والمياه العكرة، عوّدتنا أن تنتقل إلى الضفّة الأخرى وتدير بوصلتها بالعكس، ليغدو شركاء وحلفاء الأمس واليوم أعداء غداً.

عودة الفُتورِ والتوتّرِ للعلاقات الرّوسيّة – التركيّة

   التصريحات الصادرة من موسكو تُمهّدُ لمرحلة جديدة يُعدُّ لها الكرملين، فرغم عدم تضحيتها بمصالحها – كدولة – مع تركيّا فهي تفضّل مرور أنبوب نفظها عبر أراضيها إلى أوروبا، وتعزيز التجارة البينيّة مع تركيّا وتنشيط السياحة بين البلدين، ورغبتها في إتمام صفقة صواريخ (إس – 400)، تفضّلها على عفرين واستقرارها، لكن في الفترة الأخيرة بدأت تبدي “امتعاضاً” من الدور التركيّ في سوريّا، بعد الفشل التركيّ في “ترويض” فصائل المرتزقة وعدم تمكّنها من تطويعها لتدور في الفلك التركيّ – الرّوسيّ، رغم أنّ ما يُدعى برئيس “الحكومة المؤقّتة أحمد طعمة” أدلى بتصريحات تخدم السياسة الرّوسيّة في سوريّا، من قبيل “عدم جدوى العمل العسكريّ” و”كان يجب في بداية الثورة التفاوض مع النظام”، إلا أنّ روسيّا مازالت “متخوّفة” ممّا يدور في إدلب، حيث تسيطر عليها مرتزقة هيئة تحرير الشّام (جبهة النصرة سابقاً) وترفض الاملاءات التركيّة والانصياع لأوامرها للدخول في التشكيل الإرهابيّ الذي تزمعُ دولة الاحتلال التركيّ إنشاءه في الشّمال السّورَيّ، ممّا يعني عدم تمكّنها من الإيفاء بوعودها التي قطعتها مع روسيّا، وبالتالي عودة التوتّر في العلاقات بينهما، إلى جانب الضغوط التي تمارسها عليها الولايات المتّحدة الأمريكيّة لإبقائها ضمن حظيرة الناتو.

لا يُمكن لتركيّا الخروج من حظيرة الناتو

   فرغم ادّعاء الرئيس التركيّ أردوغان بأنّه قادرٌ على التلاؤم والانسجام مع المنظومة الشّرقيّة، أيّ روسيّا والصين ضمن معاهدة شنغهاي، إلا أنّ الوقائع التاريخيّة والإستراتيجيّة على الأرض تفنّد تلك المزاعم، حيث أنّ العلاقة الإستراتيجيّة بين الغرب عموماً وتركيّا تتجاوز في تعقيداتها حزب العدالة والتنمية وأردوغان، والأخير يُحاول اللعب على المتناقضات بين الكبار وخاصّة روسيّا وأمريكا والتي ولّدها الصراع على سوريّا، فلا يمكن لأردوغان فكّ الارتباط مع الغرب مطلقاً، وروسيّا بدأت تتلمّس هذا الأمر، وتجلّى ذلك بفتور العلاقات بينهما في الآونة الأخيرة، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على حجم التنسيق وتوزيع الأدوار بينهما في السّاحة السّوريّة وأوّلها في عفرين.

ما السرُّ وراء الصمت الرّوسيّ حَيالَ احتلال عفرين وضرب إيران..؟؟

   الأيام القادمة تبشّر بتصدّع الحلف الثلاثيّ (الرّوسيّ – التركيّ – الإيرانيّ) على ضوء المتغيّرات والأحداث اليوميّة التي تشهدها السّاحة السّوريّة، فَرُغم صمت روسيّا على احتلال تركيّا لعفرين، وعمليّات التغيير الديمغرافيّ التي شاركتها فيها، إلا أنّ تركيّا بدأت بتنفيذ مشروعها الخاص بها في السّاحة السّوريّة والمتمثّل ببسط سيطرتها ونفوذها، ولو تضاربت مع المصالح الرّوسيّة.

   فيما التزمت روسيّا صمت القبور أثناء ضرب التحالف الثلاثيّ (الأمريكيّ – البريطانيّ – الفرنسيّ) لمواقع النظام السّوريّ والقوّات الإيرانيّة على الأراضي السّوريّة، وكذلك قصف الطيران الإسرائيليّ لمواقع الحرس الثوريّ الإيرانيّ في سوريّا.

   يبدو أنّ النظام السّوريّ هو الآخر أدرك أنّ روسيّا تسعى إلى تقسيم سوريّا وفق خارطة مصالحها، ويلمس المرء “تذمّراً” سوريّاً من الدّور الرّوسيّ في الفترة الأخيرة، ممّا يشير إلى وجود تنسيق روسيّ – أمريكيّ لتقليص دور كلتا الدولتين (تركيّا وإيران).