الرئيسيةمقالاتالرّاحـَــة الــكُرديَّة على الطريقة التركية

الرّاحـَــة الــكُرديَّة على الطريقة التركية

تُمثل القضية الكُردية المحور الرئيسي في السياسة الداخلية والخارجية للدولة التركية، ولايتورع أردوغان عن استغلال الأكراد أحياءً وأمواتاً في تعزيز حُكمه وتعبيد طريقه نحو استعادة أحلام السلطنة العثمانية.

وتتوقف طريقة تعامل الدولة التركية مع ما تسميه التهديد الكُردي وفق مصالح السلطة الحاكمة، فإذا كان الأمر يتطلب تعديلاً على الدستور لمنح الرئيس صلاحيات سُلطانية فالأكراد إرهابيون ويجب التدخل في سوريا واحتلال مُدُن بشمالها لمنع التمدد الكُردي، وهو ما جَسَّدته عملية درع الفرات التي أطلقها أردوغان في 2016 قُبيل شهور من الاستفتاء على الدستور، وتمَّ خلالها احتلال مدُن جرابلس والباب وإعزاز بشمال سوريا ورفع العلم التركي عليها ما صنع حالةً من النشوة التركية تحولت لأصوات مؤيدة لاستفتاء أردوغان.

أما إذا كان هناك خطة لتقديم الانتخابات فالأمر يحتاج لإعادة إحياء وتأجيج المشاعر القومية التركية والعثمانية من خلال عملية عسكرية جديدة لطرد الأكراد “الإرهابيين” الذين يُهددون أمن الدولة التركية كما يزعم دوما نظام أنقرة، وهو ما جسَّدته عملية الاجتياح العسكري التركي لمدينة عفرين الكُردية واحتلالها في العملية المُسمَّاة زوراً وبُهتاناً “غصن الزيتون”، التي سعى أردوغان من خلالها للهروب من مشاكله الداخلية بعمليةٍ تُوحدُ الأتراك خلفه، فضلاً عن تطبيق اتفاقه مع الروس حول التخلص من الجماعات المسلحة بالغوطة والذين تم تسكينهم في عفرين بعد تهجير أهلها منها.

بعد نجاحه باحتلال عفرين كان ضرورياً أن يستغلَّ أردوغان ذلك الذي سمَّاهُ نصراً حتى لو كان على جثث الضحايا المدنيين والأطفال، فبعد أيامٍ قليلةٍ من إعلانه السيطرة على عفرين وانتهاء عملية غصن الزيتون، دعا الرئيس التركي لانتخاباتٍ رئاسيةٍ وبرلمانيةٍ مبكرةٍ عن موعدها بأكثر من عام لتُقام في يونيو حزيران 2018 بدلاً من نوفمبر 2019.

مع اقتراب الانتخابات وظهور تحركات حزبية لتوحيد صفوف المعارضة التركية في مواجهة أردوغان فضلاً عن ترشح السياسي الكُردي المعتقل بالسجون التركية صلاح الدين دميرطاش رئيس حزب الشعوب الديمقراطية بما يمتلكه من كاريزما قادرةٍ على إحداث تغييرٍ في المعادلة إن جَرت الانتخابات بنزاهةٍ وشفافية، سعى أردوغان للاستعانة بالأكراد مرَّة أخرى ولكن كأحياء وليسوا كأموات كما حدث في عفرين ودرع الفرات.

الأكراد الذين يمثلون حوالي 25% من سكان تركيا بما يُقارب الــ 15-20 مليون نسمة يُمثلون كتلةً تصويتيةً كبيرةً يحتاجها أردوغان في طريقه للسلطنة العثمانية، وهو ما يتطلب خطاباً خاصاً للأكراد بتركيا من أجل استمالتهم نحو الرئيس المؤمن بالحوار السّاعي لحلِّ مشكلتهم وتطوير مناطقهم!!

وكانَ إلنور تشافيك مستشار الرئيس التركي قد أعلن في تصريحاتٍ تليفزيونيةٍ السبت 19 مايو أنه من المُمكن أن تكون هناك مفاوضات سلامٍ مع الأكراد عَقِبَ الانتخابات المبكرة المقررة في الــ 24 يونيو المقبل.

وقال تشافيك وفقاً لموقع “روسيا اليوم” أن الناخبين واثقون من أن السيد رئيس الجمهورية سيُقدمُ على عدة خطوات واجراءات تمنح أهالي المناطق ذات الأغلبية الكُردية مزيداً من الراحة.

حقيقةً لا أعرف من أين أتى السيد مستشار أردوغان بمصطلح “مزيداً من الراحة” وأيُّ راحةٍ يقصد؟

بالتأكيد تصريحات مستشار أردوغان لا تعدو عن كونها مجرد وعدٍ انتخابيٍ ومغازلةً واضحةً للمواطنين الكُرد بتركيا، وهو كلامٌ سُرعان ما سيتم نسيانهُ عَقِبَ إعادة انتخاب أردوغان.

أردوغان الذي يَعِدُ أكراد تركيا على لسان مستشاره بـ” مزيدٍ من الراحة” هو نفسه من أعلن منذ أسابيع عن الاستعداد لعملية عسكرية جديدة بمناطق الكُرد بشمال سوريا عقب الانتخابات!

بالطبع لا أفهم ما المقصود بمصطلح “مزيد من الراحة” الذي استخدمه مستشار أردوغان لمغازلة الكُرد من أجل التصويت لرئيسه؟ لم يوضح السيد تشافيك أيَّ راحةٍ يقصد؟ هل هي الراحة الأبدية كما يقولون عنها في مصر سُخريةٍ من تلك الوعود؟

الغريب في تصريح مستشار أردوغان أنه لم يُصرح بلسانه، فكما نقل عنه موقع روسيا اليوم وجريدة زمان التركية قال نصاً “إن الناخبين واثقون من أنَّ السيد رئيس الجمهورية ســــــــــ !! الناخبون واثقون من أنَّ أردوغان سيفعل! هل قال أردوغان شيئا؟ هل وعد بشيء؟!

إذاً نحن لسنا أمام تصريحٍ لمسؤولٍ حكوميٍ يُفترضُ أنه مستشارٌ لرئيس تركيا يُدرك كل ما ينطقُ به لسانهُ، نحن أمام محاولة للتلاعب بألفاظٍ مطّاطةٍ لا يترتب عليها أيُّ مسؤولية أو حتى وعدٌ انتخابي.

ربّما لا يريد أردوغان والذين معه أن يُلزموا أنفسهم بشيءٍ تجاه الأكراد في ظلِّ نواياهم السيئة تجاه أكراد سوريا، فضلاً عن استمرار اعتقال عبد الله أوجلان وصلاح الدين دميرطاش أهم زعيمين سياسيين لأكراد تركيا.

يُدرك أردوغان أنَّ أيَّ حديثٍ عن اتفاق سلامٍ مع الأكراد قد يدفعهُ لخسارة حلفائه من القوميين الأتراك بما قد يؤثر على أحلامه السلطانية، خاصة أن الكُرد لن يقبلوا بسلامٍ دون الإفراج عن أوجلان الذي تعتقله تركيا منذ قرابة الــ 20 عاماً.

ختاماً … لن يحدث سلامٌ بين تركيا والأكراد طالما أنَّ أردوغان باقٍ في السلطة، فالرجل لا يرى الكُردَ سوى وقوداً لأحلامه وطموحاته العثمانية، ولن يتورَّع عن قتلهم تارةً ومُغازلتهم تارةً أخرى في سبيل الوصول للسلطة، وسُرعان ما سَيستكملُ خطَّة ذبحهم بموافقةٍ رسميةٍ من الدب الروسي.

ويبقي السُّـــــؤال هل سَيتعلَّمُ الأكراد في تركيا أم سيصطفّونَ صامتين في انتظار “مزيدٍ من الراحة” على الطريقة التركية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

_ محسن عوض الله (كاتب مصري)