الرئيسيةمقالاتبين الحسكة واليونان .. اعرف عدوك

بين الحسكة واليونان .. اعرف عدوك

محسن عوض الله

كل جهل يمكن أن يُقبل من الإنسان إلا أن يجهل عدوه الحقيقي، فأحد أهم أركان الوعي والإدراك البشري أن يدرك الإنسان إمكانياته ويعي قدراته ويعرف عدوه الحقيقي.

ومعرفة العدو الحقيقي ليست بالأمر الهيّن، خاصة في هذه الأيام التي تبدلت فيها المعايير، وتغيرت فيها القيم، بصورة جعلت من بعض البشر يرون في قناع الإبتسامة الزائف للعدو، وجه ملائكي رحيم، في حين يعتبرون أن الصديق المختلف معك في الرأي أوالإثنية والمذهبية هو عدو يجب مواجهته !

مقدمة قد تبدو طويلة بعض الشىء، ولكنها قد تكون شارحة لما بعدها، خاصة بعد أن تواترت الأنباء أمس عن قيام بعض السوريين بالاعتداء على بعض أبناء وطنهم اللاجئين بأحد الجزر اليونانية.

الحادث ربما يكون عادياً، وتكرر كثيراً، وليس بجديد، ولا يستحق أصلاً أن يكون موضع حوار، فما أكثر ما أعتدى مصريين على بعضهم في الغربة، وهاجم مغاربة أبناء جلدتهم في شوارع أوروبا؟! …الخ

الأمثلة كثيرة للخلافات الشخصية بين المهاجرين الشرق أوسطيين بالدول الغربية، ولكن للأسف لأن الحادث سوري به مكونات مختلفة كان لابد أن يأخذ أبعاداً أخرى.

الخبر الذي تباينت تأويلاته، وتعددت تفاصيله وفق مصلحة الطرف الذي يروي القصة، ولم يتسن للكثيرين وأنا منهم معرفة التفاصيل الكاملة حول الحادث، وعدد القتلى والمصابين بسبب ضبابية القصة، وتأويلها من قبل أطراف تسعي لتأجيج الفتنة، وتضخيمها وتحويلها من خلاف عادي بين سوريين، لمعركة إثنية بين العرب والكرد.

تعددت الروايات، وظهرت دعوات للثأر من القتلة العرب رغم نفي الكثير من الإعلاميين الكرد وجود قتلي من الأساس، وبدأت الحرب، واشتعلت حدة التلاسن والتجييش العنصري عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

بغض النظر عن عدد القتلى والمصابين، نسأل الله أن يرحم الضحايا، ويشفي كل جريح، فقد كشفت حادثة اليونان عن وجود حالة على مواقع السوشيال ميديا تسعى لسكب البنزين على أي شرر ليتحول الحدث الصغير المجرد من أي أبعاد قومية أو دينية لفتنة طائفية قد تؤدي لامتداد النيران من اليونان لعموم أوروبا فضلاً عن الداخل السوري.

أتساءل كمتابع وإنسان عاقل قبل أي شيء، هل من المنطق أن تحدث فتنة على أساس قومي بين العرب والكرد داخل مخيم لاجئين بدولة أوروبية؟!  هل اللاجئ، عربياً كان أم كردياً به من الفراغ العقلي ليبحث عمّن لا يصوم رمضان من جيرانه سكان المخيم لينفذ فيهم حكم الله!

يفترض أن اللاجئ في أوروبا ذهب ليبحث عن لقمة عيشه وليس عن تطبيق شرع الله، فأي شرع سيطبقه ببلاد “الكفر والفجور”؟ ولو كان حريصاً على ما يسميه بالشريعة ما دفعه لطلب اللجوء بتلك البلاد “الفاجرة”؟!

القصة بهذه الشكل يرفضها العقل والمنطق والواقع، وأعتقد أن تصوير القصة بهذه الصورة كما تداولتها مواقع التواصل ليس لها هدف سوى تأجيج الخلاف، وإشعال نزعة العنصرية المقيتة، ووأد أي تقارب بين الأخوة السوريين بمختلف قومياتهم.

لا يمكن أن ننكر أن هناك طرف عربي تيار معين ينظر للكرد نظرة الخونة الانفصاليين، كما أن هناك طرف كردي يروج دوماً الاتهامات، ويكيل بالأكاذيب بحق العرب، لتستمر جذوة الخلاف مشتعلة بين الطرفين لهدف في نفس إبليس اللعين وليس يعقوب النبي.

ولا أشك لحظة أن كِلا الطرفين لا يقلون في الإجرام والعنصرية عن تنظيم داعش الإرهابي، فإذا كان الجميع يتهم داعش بالإرهاب ورفض الأخر فهؤلاء الذين يفكرون بهذه الطريقة العنصرية، بداخلهم دواعش صغيرة ترفض من يخالفها، وتتحين الفرصة للانقضاض عليه، والتخلص منه ولا تمانع ففي سبيل ذلك من حيك المؤامرات ونشر الأكاذيب.

كِلا الطرفين يعملون بقصد أو بحسن نية لخدمة مشروع مدمر، مشروع عنصري، إرهابي يسعى لفرض فكرته ونصرة قوميته على حساب العقل والمنطق والعدل والإنصاف .

الترويج أن العرب يكرهون الكرد أكذوبة صنعتها الجهات الكارهة للطرفين، كما أن الزعم بأن الكرد انفصاليون ملحدون أسطورة اختلقتها أيضا تلك الجهات الساعية لتمزيق المنطقة، ونشر الحرب المذهبية الاثنية بين مكوناتها بما يخدم مصالحها ويحقق أهدافها في المنطقة.

أعتقد أن أعداء سوريا الجديدة هم من يسعون لإثارة تلك النعرات وتضخيمها، وأصباغها بالصبغة القومية في محاولة خسيسة لإفشال مشروع أخوة الشعوب والأمة الديمقراطية التي يقوم عليها مشروع فيدرالية الشمال السوري بما يهدف لضرب هذا المشروع، وبما يخدم أهداف هذه القوى المعروفة والتي طالما اعتبرت أن مشروع الشمال السوري أكبر تهديد لأمنها القومي.

الغريب أن تداول قصة فتنة اليونان، تزامن بالصدفة البحتة مع أنباء عن مظاهرات عربية بشمال سوريا ضد الممارسات الكردية!

ليس لدي معلومة موثقة حول وجود رابط بين الحادثتين، ولكن تناول حادثة اليونان على أنها معركة عربية كردية على أرض أوروبية، وفي نفس الوقت الحديث عن مظاهرات عربية بالحسكة ضد القوي الكردية، توحي بأن هناك طرف مستفيد من تصدير هذه الصورة، وإبراز ذلك المشهد، والتركيز على هذه الزاوية فقط دون غيرها، ليظهر للعالم أن هناك حرب أو خلافات عربية كردية داخل أرض سوريا، قد تمتد شررها لتصل للدول الأوروبية بما يصنع مخاوف غربية تدفعها للتدخل بصورة قد تؤدى لتقسيم سوريا، وتكوين كانتونات عرقية قومية تتحارب فيما بينها على فتات العيش بعد آمنت الدول الغربية احتياجاتها وسلبت خيرات سوريا.

على السوريين عرباً كانوا أم كرداً أو غيرهم من المكونات أن يدركوا أن هذا العالم لن ينتصر لفئة على حساب أخرى، دون أن يكون له مصلحة مع تلك الفئة، وسرعان ما ستنتهي المصلحة، ويبحث عن مصلحته مع فئة أخرى، لتتحول تلك الفئة التي كانت منتصرة إلى مهزومة غداً وهكذا، وقريباً يرفع الجميع شعار “أكلت يوم أكل الثور الأبيض”.. .

أعتقد أن تعظيم وتشجيع الخطاب العنصري لن يخدم أحداً، بل سيحرق الجميع، ولا حل سوى أن ندرك أننا كسوريين لا نستطيع أن نعيش سوى معاً، بغض النظر عن دين أو قومية أو مذهب، فالحرب لم تفرق بين المكونات السورية، والقتل لم يميز بين قومية الشهداء، وكم من شهيد عربي ، كردي ، سرياني ، كلداني روت دمائهم الأرض السورية خلال السنوات الماضية.

على السوريين أن يدركوا أن عدوهم الحقيقي هي تلك الميليشيات التركية التي هَجرت أهل عفرين وطردتهم من مدينتهم، بعد أن قتلت رجالهم وشردت نسائهم، عدوهم هو ذلك النظام الذي دمر الغوطة بالطيران الروسي ثم وَطَن مشرديها في عفرين ليتحولوا من ضحايا إلى جناة متهمين بالاستيطان في نظر أهالي مدينة الزيتون.

أنها سياسة “فرق تسد” التي اعتمدها الغرب منذ قرون عديدة وسيلة للسيطرة على شعوب الشرق الأوسط وسلب خيراتها ، ورغم تكرار المشهد ، مازال البعض مصمماً على عدم التعلم .. فمتى نفيق .. ومتى نتعلم ؟!