الرئيسيةمقالاتفي تراجيديا العودة إلى عفرين وخفاياها

في تراجيديا العودة إلى عفرين وخفاياها

الكاتب السياسيّ والإعلاميّ: جميل رشيد

كَثُرَ الحديث واللغط حول عودة نازحي عفرين إلى ديارهم، وأثيرت معها الكثير من الزوبعات الإعلاميّة من قِبَل بعض ممّن يدّعون أنّهم إعلاميين وغيورين على الشعب، وتعدّدت الأطراف التي تحوّر وتزيّف الحقائق على الأرض، في ظلّ صمت – طال كثيراً – من مسؤولي الإدارة الذاتيّة الديمقراطيّة في مقاطعة عفرين ومؤسّساتها.

لاشكّ أنّ نزوح أهالي عفرين عن ديارهم تعدّ سابقة جديدة في روج آفا، لم تتعرّض لها أيّ منطقة قبلها بهذا الشكل والكمّ، وإن كانت قبلها كوباني قد شهدت ذات الأمر، إلا أنّها لم تصل إلى هذا المستوى من الخطورة. فالآمال حينها – أي في كوباني – كانت معقودة على عودتهم إلى ديارهم في أقرب فرصة يتمّ فيها تحرير المدينة والريف، وهذا ما تمّ بالفعل بعد 134 يوماً من المقاومة الباسلة لوحدات حماية الشعب والمرأة.

إلا أنّ المختَلِف في موضوع عفرين أنّها تعرّضت لاحتلال كامل من قبل دولة عضو في حلف الناتو مدعومة وسط إجماع شبه دوليّ في تنفيذ مخطّطها الرامي إلى جعل عفرين خاصرتها الجنوبيّة، وتحويلها إلى كومة من الركام على غرار المناطق الأخرى من سوريّا، كما أنّ كوباني حرّرها أهلها الحقيقيون وكسروا شوكة داعش الإرهابي ومرّغوا أنفها في عار الهزيمة والخسران وكانت المقاومة مدعومة من قبل الرأي العام العالميّ على عكس ما وجدناه في مقاومة العصر في عفرين، حيث ساد الصمت الدوليّ إزاء الجرائم الوحشيّة التي ارتكبها الاحتلال التركيّ على أراضيها، رغم أنّ مقاومتها لا تقلّ عن مقاومة كوباني، ولا نكون مخطئين إن قلنا إنّها تجاوزتها في بعض محطّاتها ومفاصلها الرئيسيّة، مع اختلاف الظروف والتوازنات السياسيّة والعسكريّة.

وبعد انتصار ضوء مقاومة كوباني؛ عاد الأهالي إلى منازلهم مرفوعي الرأس، منتشين بنشوة النصر والتحرير الذي حقّقه أبناؤها بدمائهم، وكانت عودة ميمونة.

فيما تعرّضت عفرين لعمليّة احتلال ممنهجة قادتها تركيّا ومرتزقتها، في سعي لمحو الوجود الكرديّ، واقتلاعه من أرضه التاريخيّة، ومارس حتّى الآن سياسات قمعيّة وفاشيّة وصلت حدّ القتل العمد وعلى الهُويّة، دون رادع من أخلاق أو وازع من ضمير أو مسؤولية قانونيّة وحقوقيّة.

ومادام فعل الاحتلال مستمرٌّ بكافّة أشكاله، من جانب دولة تملك من الخبرة والأدوات في التنكيل والتشريد والاستيلاء على ممتلكات الأهالي ما يؤهّلها في الانتقام من الأهالي؛ فإنّ أيّ عودة في ظلّ استمرار الاحتلال، تجعلها محفوفة بمخاطر جمّة. مقاطع الفيديو التي نُشِرت عبر وسائل التواصل الاجتماعيّ، تظهر وبكلّ وضوح حجم المعاناة التي يلاقيها العائدون إلى ديارهم، بدءاً من الإهانات التي يتعرّضون لها على الحواجز المنتشرة كالجراد في مختلف المناطق ومداخل عفرين، إلى ابتزازهم ماديّاً، وبمبالغ طائلة لا قدرة للبعض على دفعها، وصولاً إلى فصل العوائل عن بعضها البعض، واعتقال الشباب منهم، حيث كلّ فرد شارك في مؤسّسات الإدارة الذاتيّة الديمقراطيّة أو خدم واجب الدفاع الذاتيّ أو انضمّ إلى صفوف وحدات حماية الشعب والمرأة، معرّضٌ للاعتقال والخطف، وفي أفضل الأحوال إلى دفع “فدية” مقابل إطلاق سراحه. وحواجز النظام على طريق عودتهم، تتشارك في نهب الأهالي، عبر شبكة من المهرّبين يتعاملون معهم، علاوة على اعتقال الشباب أيضاً وسوقهم إلى الخدمة في صفوف قوّاته.

حال المقيمين داخل عفرين وفي أريافها، ليست أفضل من العائدين، حيث يتعرّضون، وبشكل يوميّ إلى حملات المداهمة والاعتقال والخطف تحت جُنحِ الليل، وإهانتهم أمام ذويهم، دون أن يتمكّن أحد من الردّ عليهم أو فعل أيّ شيء. إضافة إلى خطف النساء، علاوة على فرض مبلغ طائلة على الأهالي مقابل السماح لهم للعمل في أراضيهم ومحالهم التجاريّة، فيما استولت قوّات الاحتلال التركيّ ومرتزقتها على بعض المحال عنوة وسلّموها إلى مرتزقتها ممّن استقدمتهم من الغوطة وحمص وحماه.

هناك البعض يثير موضوع ممانعة الإدارة الذاتيّة لعودة الأهالي إلى عفرين، في مسعى للطعن والنيل من الإدارة وإضعافها وليّ ذراعها، دون أن يكلّف نفسه رؤية ما يتعرّض له العائدون حديثاً أو المقيمون ممّن لم ينزحوا.

فلا أحد يمكن أن يقف ضدّ عودة أهالي عفرين إلى منازلهم وبأيّ شكل كان، ولكن في ظلّ الأوضاع التي فرضها الاحتلال التركيّ ومرتزقته، تصبح العودة جزءاً من المجازفة والمغامرة غير المحمودة العواقب، بل إنّها السير نحو المجهول، و”المبشّرين” بالعودة أغلبهم خارج حدود روج آفا وسوريّا، ولا يتحمّلون أيّ مسؤوليّة تجاه هذا الشعب الذي قذفه الاحتلال خارج أسوار وطنه، بل يحمّلون الإدارة الذاتيّة مسؤوليّة عدم السماح لهم بالعودة، ويقرنونها بعدم سماحها لهم الخروج من عفرين إبّان عمليّة الغزو، رغم أنّ المقارنة ساذجة ولا معنى لها، كونهم يدركون تماماً ماهيّة ومغزى قرارَي المنع وفي كلتا الحالتين، ولكنّهم ومن منطلق عدائهم للإدارة يشّهرون بها، وهم في هذا يسهّلون للاحتلال عمله ويوسّعون من ساحات ممارساته القمعيّة، إن بشكل ذاتيّ أو موضوعيّ، فالنتيجة واحدة. فلا يجوز بمطلق الأحوال القول: “فليرجع الأهالي إلى موطنهم ويتشبّثوا بترابهم، ومهما كانت النتائج وبأيّ أسلوب كان”.

إن لم تملك إرادتك؛ فلا معنى لوجودك

الادّعاء بأنّ عفرين هادئة ومستقرّة، ولا يوجد فيها ما يقلق أمن أهلها، هو كذب وتحوير للوقائع المُعاشة على الأرض، والكلّ يدرك أنّ الاحتلال التركيّ يتدخّل في كلّ شاردة وواردة، ولا يدع الأهالي ينامون ولو لليلة واحدة في بيوتهم بهدوء، ويضغط على الأهالي للتحدّث مع أقربائهم النازحين، للعودة والترويج أنّ المنطقة مستقرّة وآمنة، غير أنّ الأخبار التي تتسرّب عبر بعض النشطاء الإعلاميين، تفنّد مزاعم الاحتلال التركيّ، على العكس تماماً، هناك الكثيرون ممّن يحذّرون من العودة، وأنّ عفرين باتت جهنّماً لا تُطاق.

إنّ التغيير الديمغرافيّ في عفرين مستمرّ، وبشكل فظيع، صحيح أنّ عودة الأهالي يمكن أن تغيّر في نسبة التواجد الكرديّ في عفرين، حيث وصلت نسبة المستوطنين في أوائل شهر أيّار الجاري إلى حدود 60% بعد استقدام 120 ألف مهجّر من الغوطة وحمص وحماة، إلا أنّ الصحيح أيضاً أنّ التواجد الكرديّ المسلوب الإرادة والقرار في ظلّ الاحتلال لا معنى له، إن لم تكن صاحب الإرادة في اتّخاذ قراراتك والعمل بما يمليه عليك ضميرك، وتعيش فوق أرضك حرّاً تمارس ثقافتك وتذهب إلى عملك دون خوف من الاعتقال أو الخطف والقتل، فالتواجد بالمعنى الفيزيائيّ دون الرّوحيّ والمعنويّ، يعني الموت بحدّ ذاته.

محاولة للنيل من الإدارة

بهذا المعنى فسّرت الإدارة الذاتيّة موضوع العودة، ووضعت له معايير وضوابط وشروط يجب توفّرها، وحينها يمكنها اتّخاذ القرار وفتح الأبواب على مصراعيها، وأمام الكلّ ودون استثناء للعودة إلى موطنهم، وبشرف، وعلى هذا الأساس أصدرت بياناً وضّحت فيه رؤيتها حول هذا الموضوع، وطالبت بتوفّر ضمانات دوليّة، لحماية الأهالي العائدين من بطش وتنكيل الاحتلال التركيّ ومرتزقته.

غير أنّ بعض الأطراف تحمّل الإدارة ممّا ليس لها فيها، فأثناء عودة قسم من الأهالي، وإثر مقتل شاب على حواجز النظام المنتشرة في مناطق شيراوا، اتّهمت تلك الأطراف قوّات الأسايش بمقتله، في حين طالبت الإدارة الذاتيّة التحقيق في مقتله، ووعدت بأنّها ستنشر نتائج تحقيقها للرأي العام.

أطراف عدّة تروّج للعودة

روسيّا، إيران والنظام السّوريّ شركاء في زيادة محنة ومأساة هذا الشعب، عبر استغلال حالة الفوضى والتخبّط الذي دخلت فيه الإدارة الذاتيّة بعد الاحتلال التركيّ لعفرين، عبر وضع العراقيل أمامها وافتعال المشاكل. ففي حين تعمل الإدارة جاهدة في سبيل عودة مشرّفة للأهالي، وتوصل الليل بالهار لتأمين احتياجاتهم الماديّة والمعنويّة في مناطق الشهباء؛ تتعمّد الأطراف الأخرى إلى استغلال الأهالي ولهفتهم في العودة إلى منازلهم، من خلال فرض آليّات تتنافى ومنطق حقوق الإنسان، والتعمّد في إطالة فترة انتظارهم على الحواجز وتفتيشهم وابتزازهم ماديّاً، فضلاً عن اعتقال الشباب وبعض المطلوبين لديها، وخلق حالة من الخوف والهلع في نفوس العائدين، وإطلاق الرصاص أحياناً لتفريق المحتشدين، إلى جانب الاستهتار بالأهالي وعدم إيلاء أيّة مسؤوليّة تجاههم. وكأنها تعتبرها ورقة رابحة بيدها لتنال مزيداً من التنازلات من الإدارة الذاتيّة الديمقراطيّة.

مقايضة مأساة الأهالي بالمصالح

السياسة التي يتّبعها الاحتلال التركيّ في مقاطعة عفرين، لا تدع مجالاً للشكّ في أنّه يؤسّس لمرحلة طويلة لديمومة تواجده فيها، وتالياً تحويلها إلى قاعدة متقدّمة له في زرع كافة مرتزقته المتشدّدين من الراديكاليين الإسلامويين، والخيارات المتاحة أمامه الآن، تسمح له في إقامة قواعد عسكريّة وتأسيس جيش من المرتزقة، يمكن أن يعوّل عليه في التمدّد إلى مناطق أخرى في سوريّا، وخاصّة حلب التي بات على أسوارها، بعد تفاهمه مع روسيّا ضمن إطار صفقات أستانه التي قسّمت الجغرافيا السّوريّة إلى مناطق نفوذ وسيطرة بينها.

التعامي الرّوسيّ عمّا تفعله قوّات الاحتلال التركيّ في عفرين، يؤكّد حقيقة ثابتة؛ أنّه يقايض مأساة أهالي عفرين بمصالحه مع تركيّا، وما الردّ الشعبيّ العفويّ على زيارة وفد من الشرطة العسكريّة الرّوسيّة إلى مناطق الشهباء، إلا جزء من الحقيقة التي ترسّخت في أذهان شعبنا المنكوب؛ أنّ روسيّا شريكة الاحتلال التركيّ في تدمير عفرين وهجرة سكّانها.

الضمانة الوحيدة؛ تصعيد المقاومة

في ظلّ التوازنات السياسيّة والعسكريّة الراهنة على السّاحة السّوريّة، وبعد تدخّل الأصلاء بدلاً عن الوكلاء في الحرب الدائرة رحاها على الأرض، يصبح من الغباء عودة الأهالي إلى عفرين دون توفّر أدنى مستوى للأمان والضمان الدوليّ الذي يحمي الأرواح والأعراض والأموال، ومن العبث التحدّث في هذا الموضوع إن لم يؤازر بحماية عسكريّة تحفظ للأهالي كرامتهم وتثأر للقتلى الذين يسقطون يوميّاً، ودون سبب.

فالمرحلة الثانية من المقاومة التي أطلقت شرارتها بعد الاحتلال المباشرة، كفيلة بردع العدوان وتأمين عودة سلسة وآمنة للأهالي، بعد تمادي قوّات الاحتلال ومرتزقته وكذلك المستوطنين في انتهاكاتهم التي طالت البشر والشجر والحجر، ونعتقد أنّ كلّ دعوة خارج إطار هذا التفكير والرؤية، يُعدّ إقحاماً لشعبنا في أتّون محرقة قد لا يستطيع النجاة منها بتلك السهولة، وكافة النداءات الموجّهة له من الداخل والخارج بعد تردّي الأوضاع داخل عفرين يوماً بعد آخر، تنطوي على مخاطر لا يتوقّعها حتّى أصحاب تلك النداءات، وهي بحدّ ذاتها دعوات مشبوهة تخدم الاحتلال أكثر ممّا تخدم أبناء شعبنا.