الرئيسيةGeen categorieالإدارة الذاتية بين مقديشيو ومانشستر

الإدارة الذاتية بين مقديشيو ومانشستر

محسن عوض الله

لم أفكر يوماً أن أتحدث عن الوضع الداخلي بروج آفا وسياسة الإدارة الذاتية والمشكلات التي تواجهها، والاتهامات التي تتعرض لها، والشبهات التي تلاحقها.

أتابع بصمت ما يتداوله الأصدقاء حول أداء الإدارة ومدى اختلافهم وتباين آراءهم حول الدور الذي تلعبه.

لاحظت أن معظم الانتقادات تتمحور حول ضعف أو سوء مستوى الخدمات ووجود حالات أو شبهات فساد بين مسؤوليها.

بداية أنا أعترف أني لا أعرف تفاصيل العمل داخل الإدارة الذاتية، ولا طبيعة القوانين المنظمة لها، كما أنني لا تربطني أي علاقة صداقة بأحد من موظفيها ولا مسؤوليها.

سأتحدث عن الإدارة كمواطن شرق أوسطي لا أعلم على وجه اليقين قوميتي الحقيقة، فإسمي ونسبي عربي أو هكذا أخبروني، ويراني البعض كردي الشكل والطابع أو هكذا وصفوني، فيما يصنفني آخرون بأني أمازيغي شأني شأن كل عرب شمال أفريقيا ذوي الأصول الأمازيغية الذين يظنون أنفسهم عرباً.

بغض النظر عن قوميتي أو عرقي أو ديني فالأكيد أني إنسان ومن هذا المنطلق سأتحدث دون محاباة لأحد، سأتحدث عن القضية بشكل عام دون إغراق في التفاصيل.

مشكلة الإدارة الذاتية أنها تملك إمكانيات الصومال أو أقل ويتم تقييمها وانتقاد أدائها وفق المعايير الأمريكية أو مقاييس دول الاتحاد الأوروبي!!

أستغرب جداً من اتهامات الرفقاء عبر مواقع التواصل الاجتماعي بوجود فشل أو شبهات فساد في عمل الإدارة الذاتية الوليدة أو حديثة العهد بالعمل المحلي.

الإدارة تجربة ذاتية للحكم الفيدرالي لابد أن يكون لها أخطاء بل وكوارث كي تتعلم من تجربتها، فكرة أن يحكم الشعب نفسه بنفسه في حد ذاتها تعبر عن رقي مجتمعي وإنساني منقطع النظير، ونجاح هذه التجربة بلا أخطاء يدخل في دائرة المستحيل.

كيف تطلب من مجموعة نجحت في تحرير أرض من براثن الإرهاب والاستبداد وشرعت في إداراتها ذاتيا لأول مرة دون تجربة أو خبرة سابقة أن تكون كل قرارتها صائبة، وعناصرها فوق مستوي الشبهات، وقوانينها تراعي الحريات وحقوق الإنسان ولا تنتهك حرمة أو عرض أو دين.

يكفي أن تعلم صديقي القارئ أن دول الشرق الأوسط بلا استثناء لا تخلو فيها إدارة محلية أو فيدرالية أو حكومية من شبهات فساد ولا يمر يوم بتلك الدول دون الكشف عن فساد مسؤول كبير أو صغير.

أتحدث عن دول أعمارها تجاوزت آلاف القرون، وحضاراتها تمتد في جذور التاريخ، وإمكانياتها وثرواتها غير محدودة ورغم ذلك ينخر الفساد في جذورها وينعم اللصوص فيه بخيرات البلاد والعباد.

ما بالكم بإدارة أو مشروع يواجه تحديات دولية كبيرة فتركيا ثاني أكبر دول حلف الناتو تحاربه، والدب الروسي الباحث عن استعادة أمجاده يتواطأ عليه، ونظام الأسد المترهل يهدده، وجنرالات دولة الملالي تهاجمه.

في مثل هذه التحديات الدولية الكبيرة بقاء الإدارة في حد ذاته نجاح وصموده وإدارته يعتبر إنجاز تحسد عليه، الإدارة بحاجة لعين ناقدة من أجل البناء لا الهدم، من أجل الاستمرار لا السقوط، الإدارة بحاجة لقلم يوضح الأخطاء ويصوبها لا يشنع بها، نحتاج أن يدرك الجميع فقه الواقع وطبيعة المرحلة.

الأزمة أن معظم منتقدي أداء الإدارة الذاتية وكثير منهم يعيشون بأوروبا يتحدثون من واقع تجاربهم الحالية كمواطنين أوروبيين حيث حقوق الحيوان مقدمة على الإنسان، والشوارع أنظف من البيوت، والطرقات أنعم من الحرير.

تجربة روج آفا مازالت تحبو في طريق الإدارة المحلية وأبناءها ومسؤوليها يكتسبون خبرة يومية وأخطائهم طبيعية ويجب دعمهم والوقوف بجانب التجربة لا الأشخاص، التجريح والنقد المستمر الهدام لن يصنع كيان أو إدارة ناجحة لابد أن تتضافر الجهود من أجل إنجاح التجربة والمحافظة على استمراريتها ، ليس من المنطق أن أضع قامشلو وعامودا في ميزان واحد مع لندن ومانشستر ، وليس من العدل أن نقارن بين الحسكة وباريس.

ختاماً.. لا ولم ولن أستغرب أي شيء يكتب عن وجود خلل أو فشل في الإدارة الذاتية، ففي ظل الظروف الحالية التي تمر بها سوريا والمنطقة يعتبر كل نجاح إنجاز يجب أن نفخر به، وكل خطأ هو حادث متوقع يجب أن نتعاون سويا لإصلاحه.. يجب أن ندرك جميعا أن فيدرالية الشمال ليست دولة متجذرة بل مجرد طفل مازال يحبو، ويتعلم المشي، وطبيعي أن يسقط، ويحاول الوقوف مرة أخري وتتكرر المحاولات، ويتكرر السقوط حتى يصبح قادرا على الوقوف ومواجهة العالم وهكذا الإدارة الذاتية لن تنجح دون أن تخطئ..

أيها الكرد رفقا بطفلكم الصغير، وتجربتكم الفتية، ولا تقتلوا حلمكم الجميل بحسابات سياسية، أو طموحات وردية لا مكان لها بالشرق الأوسط حالياً.. عيشوا الواقع وخططوا للمستقبل..