الرئيسيةمقالاتالانتخابات التركيّة وتداعياتها

الانتخابات التركيّة وتداعياتها

بقلم الكاتب السياسيّ والإعلاميّ: جميل رشيد

أظهرت نتائج الانتخابات التركيّة، تبايناً وانقساماً واضحاً في صفوف المجتمع التركيّ وإلى حدّ ما الكرديّ، وعكست التوتّرات التي تعيشها تركيّا في ظلّ هيمنة حزب العدالة والتنمية وتحالفه مع حزب الحركة القوميّة، إلى جانب أنّها مهّدت لترسيخ ذهنيّة مقيتة ورجعيّة، ربّما لا يمكن تجاوزها بسهولة.

الانتخابات في الشرق لا تعكس إرادة الشعوب

الانتخابات كعمليّة اختيار ممثّلين للشعب لقيادة وإدارة أموره، لا تشكّل في الدول التوتاليتاريّة والمحكومة بالحديد والنار وحالة الطوارئ والأحكام العرفيّة، حتّى ولو جزءاً من التقاليد والممارسة الديمقراطيّة أو معياراً حضاريّاً يمكن الاعتداد به، بل تُعدّ إحدى الوسائل التي تستخدمها السلطات الحاكمة في إعادة إنتاج ذاتها مرّة أخرى وتجديد دورتها الدمويّة الفاسدة، فتغدو شكليّة لا معنى لها وغالباً ما تكون أشبه بسوق قطيع إلى صناديق انتخابات قد أعلنت نتائجها سلفاً، ولا تعكس إرادة شعوبها في التمثيل والانتخاب الحرّ، أو واجباً وطنيّاً.

استغلال فاحش للدين في الانتخابات

لم تخرج تركيّا عن تلك المنظومة المحكومة برغبات الزعيم وحزبه، بل زادت سطوة التحكّم بإدارات ومؤسّسات الدولة بعد هيمنة حزب العدالة والتنمية عليها، حيث فرض نموذجاً أحاديّاً على الدولة والمجتمع، من خلال نشر الفكر الدينيّ الإخوانيّ وإقامة “التكيّات” ودور الإفتاء عوضاً عن المعاهد والأكاديميّات العلميّة، فأغرق المجتمع التركيّ والكرديّ في ظلام القرون الوسطى، من خلال دغدغة مشاعر الناس واللعب على الوتر الدينيّ، واستخدامه ورقة سياسيّة رابحة ضدّ كافة خصومه من المعارضة في الداخل والخارج، على اعتبار أنّ الدين في مجتمعات الشرق خطّ أحمر ولا يمكن تجاوزه أو التشكيك بمصداقيّته (لا يأتيه الباطل لا من خلفه ولا من أمامه). لقد استغلّ أردوغان وحزبه الدين أيما استغلال في إحداث انقلاب في الذهنيّة والتفكير لدى قطّاعات واسعة من الجماهير، وانجرّت وراءه، دون أن تدرك حجم التهوّر الذي يحمله هذا الانقياد الأعمى على حاضرها ومستقبلها.

لقد راهن أردوغان على هذه النوعيّة من الجماهير التي تنخدع بخطاب دينيّ ثورويّ رنّان، وترى فيه “الزعيم المخلّص”، وهذه هي حال الشعوب التي تُدين بالولاء للزعيم الأوحد وترى في البديل الجديد خطراً يهدّد وجودها، وللأسف هذه هي الثقافة المترسّخة في أذهان العديد من الشعوب، التي تعتقد أنّ الموجود أفضل من القادم المجهول.

توظيف احتلال عفرين والحرب على قنديل في الانتخابات

مارس أردوغان وحزبه لعبة خبيثة قبل الانتخابات، وحاول توظيف احتلاله لعفرين ومناطق أخرى من سوريّا في خدمة دعايته الانتخابيّة، وكذلك الترويج لحملة عسكريّة ضدّ قنديل، فضلاً عن حالة الترويع والإرهاب المعمّم التي نشرها في تركيّا وكردستان. فبعد المحاولة الانقلابيّة التي دبّر لها أردوغان وحزبه في الغرف المغلقة بالتعاون مع الدولة العميقة ودائرة الحرب الخاصّة، والتي أفضت إلى اعتقال الآلاف من خيرة كوادر المجتمعين التركيّ والكرديّ (أطبّاء، مهندسين، محاميين، أساتذة جامعات، ضبّاط في الجيش، إعلاميين…) وكلّ شخص معارض له، حتّى أفرغ العديد من المؤسّسات من موظّفيها واستبدلهم بالموالين له وذوي الأصول الدينيّة.

في كردستان القمع مركّب من حيث الأهداف والفعل والممارسة على الأرض، سياسة الأرض المحروقة التي اتّبعها أردوغان في مدن باكور، أدّت إلى تدمير خمسة مدن رئيسيّة (سور آمد، شرناخ، نصيبين، جزرة) والقرى التابعة لها، وفرض حصاراً ظالماً ولا إنسانيّاً على الناس طوال أشهر عديدة، كلّها في سبيل خلق مناخ من الإرهاب والخوف، وبالتالي إركاع الناس وعدم إقدامهم على انتخاب المناوئين له في الانتخابات، ولقد مارس هذه اللعبة في الانتخابات الماضية أيضاً، فبعد انتخابات عام 2015 والتي حصد فيها حزب الشعوب الديمقراطيّ ثمانين مقعداً في البرلمان، أعلن بعدها مباشرة موعداً لانتخابات مبكّرة ليستفيد من الحرب والإرهاب الذي مارسه في باكور وينهي عمليّة السلام، مع بدء حربه على الشعب الكرديّ في 24 حزيران من العام نفسه، وهو الموعد الذي حدّده أردوغان ودولت بهجلي للانتخابات الحالية أيضاً، وطبعاً اختيار ذلك التاريخ لم يكن مصادفة، بل كان مخطُط له وبدقّة.

دعم دوليّ مفضوح

الأوضاع الداخليّة في تركيّا لم تكن تسعف أردوغان في حسم نتائج الانتخابات – خاصّة الرئاسيّة منها – لصالحه لولا الدعم الواضح والمفتوح من مراكز القرار العالميّ له، فأغلب الدول وحتّى تلك التي تدّعي معارضتها لأردوغان دعمت حملته وساندته في الكثير من المحطّات، فأمريكا التي توتّرت علاقتها معه في الفترة الأخيرة بسبب دعمها لقوّات سوريّا الديمقراطيّة، لها رغبة في استمرار أردوغان على مقاليد السلطة في تركيّا؛ لأنّها تجد فيه خير ممثّل لمصالحها في تركيّا ومنطقة الشرق الأوسط، فالحروب التي أشعلها أردوغان في سوريّا والعراق وفي عموم منطقة الشرق الأوسط، تدرّ على المجمّعات الصناعيّة الأمريكيّة والغربيّة عموماً أرباحاً هائلة من مبيعات الأسلحة، كما أنّها لا تريد خسارة تركيّا وموقعها الجيوستراتيجيّ، والنقطة الأهمّ فيها أنّها تريد الاحتفاظ بورقة أردوغان وحزبه في تهديد الشعوب والقوى التي لا ترضخ لإملاءاتها وإرادتها، ومباركة مسؤولي العديد من الدول وعلى رأسها الحاخام الإسرائيليّ الأوّل في تركيّا، تأتي في هذا السياق، وهو يظهر حجم نفاق أردوغان وحزبه واستثماره للورقة الفلسطينيّة والإسلاميّة لمصالحه الخاصّة.

نجاح HDP نصر للكرد والديمقراطيين

تقدّم حزب الشعوب الديمقراطيّ وتجاوزه عتبة الـ(10%) التي كرّسها دستور تركيّا عقب انقلاب كنعان إيفرين عام 1980 لمنع وصول الكرد إلى البرلمان، هذا التقدّم بحدّ ذاته يعتبر صفعة قويّة لأردوغان وحزبه والمتحالفين معه. فإيصال (67) نائباً إلى البرلمان ورغم كافة عمليّات التزوير والقتل والخطف وسرقة صناديق الانتخاب في المحافظات الكرديّة؛ فإنّ HDP وبحصوله على نسبة (11.6) من الأصوات، أي ما يعادل (6) ملايين صوت من مجموع أصوات من يحقّ لهم الانتخاب في باكور كردستان وبعض المتروبولات التركيّة والذين يبلغ مجموع أصواتهم (9) ملايين صوت، وذلك حسب احصاءات أوردتها بيانات HDP والعديد من المؤسّسات البحثيّة في كردستان وتركيّا والخارج أيضاً، يكون HDP ووفق هذه الاحصائيّة قد حصل على ثلثي أصوات الكرد، طبعاً هناك بينهم بعض الأصوات غير الكرديّة، ولكن الغالبيّة هي للكرد، وكذلك فإنّ قراءة سريعة لنتائج الانتخابات، تبيّن وبكلّ وضوح تقدّم حزب الشعوب على غيره من أحزاب المعارضة ليغدو الحزب الثالث في تركيّا، حتّى أنّ منافسته لـAKP كانت قويّة في انتخابات البرلمان، حيث حصل في إسطنبول وحدها على 12 مقعد، فيما كان في الانتخابات السابقة عددها (8) مقاعد، وكذلك حصل في المحافظات الكرديّة على غالبيّة الأصوات مثل (جولميرك، آمد، ديرسم، آغري، ماردين، سيرت، وان، إغدر، موش…)، الأمر الذي يعكس ازدياد شعبيّته واتّساع حاضنته الجماهيريّة مقارنة بالانتخابات السابقة، لكن تراجعه كان واضحاً في المحافظات المحاذية للحدود مع روج آفا وسوريّا مثل رها (أورفا) وديلوك (عنتاب)، كونها – أي تلك المناطق – متأثّرة بالدعاية التي روّج لها أردوغان، كما أنّ الفكر الدينيّ المتخلّف متغلغل فيها حتّى العظم، مثلاً في إحدى خطبه الانتخابيّة قبيل الانتخابات أطلق أردوغان تسمية “مدينة الأنصار” على مدينة ديلوك وهي لا تختلف كثيراً عن الأسماء التي أطلقها مرتزقة داعش على المدن السّوريّة والعراقيّة التي سيطر عليها.

ماذا يعني وجود HDP تحت قبّة البرلمان…؟؟

نجاح حزب الشعوب الديمقراطيّ HDP في إيصال نوّابه للبرلمان، لن يغيّر كثيراً في المعادلة السياسيّة الموجودة في تركيّا؛ طالما أنّ أردوغان يُمسك بكافة مفاتيح ومقاليد السلطة بيده، صحيح أنّه لن يكون بمقدوره تمرير مشروع قانون تحويل النظام في تركيّا إلى نظام جمهوريّ بدلاً من البرلمانيّ في الفترة الحالية لأنّه لم يكسب الأغلبيّة البرلمانيّة وأصوات HDP ستكون “معطّلة” لمشروعه، لكن السلطات التي منحها لنفسه تخوّله إجراء انتخابات مبكّرة أخرى، ليعيش الشعب التركيّ والكرديّ في دوّامة الانتخابات إلا أن يُقرّ له بكافة الصلاحيّات التي تمكّنه من تحويل النظام إلى رئاسيّ والإمساك بزمام ودفّة القيادة في تركيّا، بحيث يغدو تعيين مستخدم في مدرسة ما يتطلّب موافقته. لكن يمكن رؤية النجاح من زاوية أنّ الكرد ومعهم شركاؤهم لم يستطع أردوغان إقصاءهم عن العمليّة السياسيّة في تركيّا، وأثبتوا حضورهم في قلب الأحداث، رغم فداحة المشهد السياسيّ والعسكريّ في تركيّا والموسوم بمصادرة كافة الحقوق والحرّيّات، وسيادة أجواء العنف والتوتّر.

تداعيات فوز أردوغان كردستانيّاّ، إقليميّاً ودوليّاً

كردستانيّاً، فوز أردوغان يعني مزيداً من الدماء وتدمير المدن والقرى في باكور وروج آفا وباشور أيضاً، علاوة على اتّساع دائرة الشروخ الاجتماعيّة في إذكاء نار الفتنة الكرديّة – التركيّة، واللعب على وتر المذهبيّة (العلويّة والسنّيّة)، وزيادة الأحقاد بين فئات المجتمع، ومحو الثقافات التي لا تتلاءم مع ثقافته الدينيّة الرجعيّة، إلى جانب تسليط شيوخ الدين على تسيير أمور المؤسّسات وعلى اختلافها وتنوّعها، ما يقضي على كلّ الآمال في عودة الهدوء إلى باكور لانعاش ثقافة التسامح والتعايش المشترك بين الشعبين الكرديّ والتركيّ.

تداعيات فوز أردوغان بالرئاسة ستكون خطيرة وخطيرة للغاية على تركيّا ومجمل منطقة الشرق الأوسط، وهو بمثابة منحه الضوء الأخضر لمزيد من التمدّد واحتلال أراضي دول أخرى وخاصّة في سوريّا والعراق، ليكون إرهاباً عابراً للدول، وينذر بازدياد حدّة العنف والصراع وحدوث انقسامات وشروخ إضافيّة على تلك الموجودة أصلاً، ما يعني أنّ المنطقة ذاهبة باتّجاه الدخول في دوّامة القلاقل واللا استقرار، وتهديد كيانات وشعوب تتعارض مصالحها مع توجّهات أردوغان وحزبه، وانتعاش وإحياء للحركات الأصوليّة والإرهابيّة في المنطقة والعالم وعلى رأسها الإخوان المسلمين.

لن تخرج تركيّا من أزمتها الراهنة إلا بثورة تقضي على ميراث عدّة عقود من التهميش والإبعاد لقطّاعات وفئات واسعة من الشعب، وطريق الحلول لأزمتها يمرّ عبر حلّ القضيّة الكرديّة بشكل سلميّ، ومفتاح الحلّ موجود في يد أسير إيمرالي، وكلّ الاعتقاد أنّ الانتخابات لن تقدّم أيّة حلول ناجعة للأزمة التي تمرّ بها تركيّا، فهي بنيويّة ولها امتداد تاريخيّ طويل، وتتجاوز حزب العدالة والتنمية وأردوغان في عدّة مفاصل، ولا يمكن التستّر عليها بلعبة الانتخابات، وكسبها لن يجلب الأمن والاستقرار إليها مطلقاً.