الرئيسيةمقالاتالشــمال السوري وعاصفة الحراك الدبلوماسي

الشــمال السوري وعاصفة الحراك الدبلوماسي

تتدحرج الكرة السياسية على الأرض السورية بسرعة كبيرة ومتنقلة من ملعبٍ لآخر، وتأتي هذه التجاذبات السياسية المتسارعة عقبَ اقتراب الانتهاء من العمليات العسكرية ضد الجماعات التكفيرية والجماعات المؤدجلة والإرهابية في مناطق مختلفة من سوريا، وتوفير مساحة كبيرة للدبلوماسية بعد تقليص مساحة الحرب والاقتتال الدائر في سوريا بعد مرور أكثر من سبع سنوات خسرَ السوريون ما خسروه وتحملوا مالا يستطيع بلدٌ أخر أن يتحمله.

ففي الآونة الأخيرة كَثُرَ الحديث عن اتّفاق في المثلث الجنوبي من سوريا لاسيّما بعد التحضيرات والاستعدادات للقيام بِشنِّ عملياتٍ عسكريةٍ من قبل الجيش السوري باتجاه تلك المنطقة المشمولة سابقاً باتفاقية خفض التصعيد من قبل الولايات المتحدة والأردن وروسيا.

إلَّا أنَّ حساسية تلك البقعة الجغرافية من سوريا كونها تُمثل شريطاً حدودياً مع إسرائيل لها تبعاتٌ لا يُمكن لعاقلٍ تجاهُلها في الوضع المُعقد للأزمة السورية عامة وللجنوب خاصة.

لذلك سارعت الولايات المتحدة وروسيا لتدارك الأمر ومحاولة نزع فتيل صراع جديد يمكن أن يمتدَّ ويطال المنطقة كَكُل.

فَلكل طرفٍ حساباته في تلك المنطقة ونظراً لحساسيَّتها تمَّ عقد الاجتماعات ومنها ما تمَّ البوحُ والإفصاحُ عنه في وسائل الإعلام، ومنها ما بقي طيَّ الكتمان لأسبابٍ تتعلق بالحرص على ولاء الحلفاء والأصدقاء الضَّامنين لاتفاقات آستانا.

وخرجت تصريحاتٌ مُتضاربة حول اتفاقٍ قد أُبرم وتمَّ ما بين روسيا وأمريكا بالنسبة لهذا الموضوع ونفي من قبل النظام وكلٌّ يُصرُّ على موقفه.

في النهاية أي أن هناك شبهَ اتّفاقٍ حول مسألة الجنوب وحل الخلافات بين الراعي الإقليمي والدولي لتلك المنطقة، وتماشياً مع ما يحدث في الجنوب وبعد الاتفاقات التي سَتُبصر النور هناك.

تتجه الأنظار حالاً إلى الشمال السوري حيث انتقلت رياح الدبلوماسية والسياسة إلى الشمال السوري وبحركةٍ مكثفةٍ جداً من خلال زياراتٍ يقوم بها أعضاء من الوفود كان منها وفد معارضة الداخل ممثلاً بـ ميس كريدي والتي التقت بقيادات من مسد، واجتماعات مكثفة أتت عقبَ تصريحات الأسد في مقابلة صحفية حول التعامل مع قوات سوريا الديمقراطية وعبَّر من خلالها أن هناك خيارين:

 أحدهما يكون بالتفاوض مع اعتبار أن قوات سوريا الديمقراطية كلهم سوريون وسنعيش كلنا مع بعض.

وفي ذاك اعترافٌ بما قدمته هذه القوات في محاربة الإرهاب وتحرير قرابة الــ 35 % من مساحة الجغرافية السورية.

والخيار الثاني استعمال القوة أو لغة التهديد حيث لا خيار آخر حسب تصريحاته.

وما حدث بالفعل من زيارة وفد معارضة الداخل المقرب من النظام لمناطق مجلس سوريا الديمقراطية لهو أكبر برهان ودليل على أن لغة الحوار والتفاوض هي التي ستعلو ولو طال الزمن بها قليلاً، وخاصة بعد ردّ مجلس سوريا الديمقراطي على تصريحات النظام أن حل الأزمة السورية سيكون سياسياً ولن يكون عسكرياً، أي هناك تقاطعات تُرجّح خوض مرحلةٍ مكثفةٍ ومقبلة من التفاوض بين الجانبين تشبه في العنوان ما يحدث في الجنوب وتختلف في المضمون من حيث أدوات وأشكال التفاوض السياسي.

أما إذا ما انتقلنا إلى جانب آخر من الحراك الدبلوماسي واللقاءات نجد دخول عنصر آخر إلى ساحة الحراك السياسي في الشمال السوري، وهذه المرة عبر البوابة التركية ومن خلال زيارة وفد المعارضة الخارجية الممثل بالائتلاف أيضا لمدينة منبج وما إلى تلك الزيارة من انعكاسات وأهداف، خاصة أن هناك تباينٌ كبيرٌ في وجهات النظر بين الطرفين حول مسائل تناقضي’ متعددة ليس أولها احتلال الأتراك لمدينة عفرين وليس آخرها الموقف من مشروع ديمقراطية سوريا وتعدديتها اللامركزية التي تضعه مسد هدفاً لحل الأزمة السورية.

ضمن هذه المعطيات والتداخلات ووُفق رؤى ومصالح كل طرف نجد أن هناك سباقاً نحو مناطق الشمال ولكن بطرق جديدة أقل خسارةٍ، وكل طرف يحاول أن يكون الأول في الوصول إلى مناطق الشمال وإبرام الاتفاقات، وذلك يُعتبر خطوةً إيجابيةً بالنسبة لسيناريوهات محتملة لإنهاء حالة الحرب وتقليص حدة التوتر بين جميع الأطراف، وهو بالنهاية دليلٌ إضافيٌّ ضمنيٌّ يُؤكد على نجاح التجربة المطبقة في الشمال السوري، ومدى تحقيقها نموذج من التعايش المشترك بين السوريين وتحقيق الأمن والاستقرار بعد عناءٍ ومشقة وتضحيات استمرت لسنين.

فمن المتوقع أن تكون الأيام المقبلة أسرع وتيرةً ومليئةً بحراكٍ الدبلوماسية النشطة ضمن جنوب وشمال سوريا، ومن مختلف الأطراف والتي ربما ستكون بداية النور لنفق الظلام السوري، وستكون الكرة بملعب من يستطيع أن يجمع أكثر الأضداد على طاولةٍ واحدة وأرض واحدة.

كُــلنــا أبناء سوريا وكلنا شركاء في بناء وطننا.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

_ حسين عثمان