الرئيسيةمقالاتالــكُرد ومسلسل التوافقات والمقايضات

الــكُرد ومسلسل التوافقات والمقايضات

بقلم الكاتب السياسيّ والإعلاميّ: جميل رشيد

تتشابك خيوط اللعبة السياسيّة والعسكريّة في سوريّا أكثر فأكثر، مع انتقال الصراع من الوكلاء إلى الأصلاء، وبروز تحديّات جديدة أمام قوى احتفظت بعضاً من قوّتها طيلة السنوات السابقة من عمر الأزمة السّوريّة، وتحوّل الكثير منها إلى أوراق بيد القوى الإقليميّة والدّوليّة، وبشكل أكثر ابتذالاً ودناءة.

حلّ الأزمة السّوريّة يمرّ عبر التوافقات الداخليّة والخارجيّة

دخول القوى الكبرى على خطّ الأزمة، جعل من الصعوبة بمكان البحث عن حلول وطنيّة داخليّة صرفة، بمعزل عن الإملاءات والتأثيرات الخارجيّة، بعد أن ارتهنت العديد من الأطراف إلى الخارج، وصار جزء كبير من الحلّ السّوريّ أسير القوى الضالعة في الأزمة، ما يجعله – أي الحلّ – مقروناً بمساحة مصالحها ونفوذها داخل سوريّا وفي المنطقة عموماً.

الترتيبات التي تُعدُّ لها الأطراف الدّوليّة والإقليميّة، أفضت إلى دخول الأزمة نفقاً مظلماً، لا يمكن الخروج منه دون تضافر عمل وجهود كافة القوى التي تؤمن بسوريّا الديمقراطية التعدّديّة الواحدة. الاحتلالات التي تتواتر على الأرض السّوريّة وبكافة أشكالها وألوانها، من شأنها أن تنسف كافة المشاريع الوطنيّة في سياق تعدّد الطروحات والبرامج للبحث عن حلّ للأزمة، أو على الأقلّ تُضعفها.

لا وطنيّة الإخوان المسلمين والتماهي مع المشروع التركيّ

التدخلّ التركيّ السافر في الأزمة السّوريّة وعبر حركة الإخوان المسلمين، كان له الأثر العميق في تدمير سوريّا وتجزئتها أرضاً وشعباً وتشتيت معارضتها. فكافة التشكيلات العسكريّة المنضوية تحت جناح عباءة الإخوان، أثخنت في جراح السّوريين، وشرّدت من نجا من آلة القتل الممنهجة التي اتّبعتها في بداية الأزمة وإلى الآن، كما رسّخت الفتنة الطائفيّة والعرقيّة في البلاد، عبر ادّعائها رفع الدفاع عن “السنّة”، ولا يغيب عن بال الجميع مشهد احتجاز مرتزقة ” ما يسمّون “جيش الإسلام” بنساء “علويّات” في أقفاص حديديّة في مدينة دوما قرب دمشق، ممّا ينمّ عن عنصريّة وهمجيّة بغيضة لم يألفها السّوريون في تاريخهم.

تمثّل التماهي الإخوانيّ مع المشروع التركيّ الهادف إلى اقتطاع أجزاء من الجغرافيا السّوريّة وإلحاقها بأراضيها، بممالأتهم له والانخراط فيه بل وتبنّيه، في إطار ما أطلقوا عليه “الجامعة الإخوانيّة العالميّة”، ممّا ينزع عنهم كلّ صفة وطنيّة سوريّة، حيث سوّقت تركيّا للمشروع عبر عدّة منابر دوليّة وإعلاميّة، وانساقت معه عدّة أطراف، لتنتج في المحصلة مشروعاً احتلاليّاً للخاصرة الشّماليّة لسوريّا ضمن مثلّث أضلاعه تركيّا – الإخوان المسلمون – روسيّا، وكانت أبرز تجلّياته في عفرين.

تقسيم سوريّا بين رُعاة صفقات أستانه

مسلسل التنازلات التركيّة بدأ في أواخر عام 2016 عندما سلّمت مدينة حلب إلى النظام، وبإشراف روسيّ، حيث جمعت كافة فصائل المرتزقة في إدلب، لتُعدّ لمرحلة جديدة تُحاصر فيها مقاطعة عفرين ومن كافة الاتّجاهات. المناطق التي سلّمت إلى قوّات النظام في الغوطة وحمص وحماه، لم تكن تحصل لولا الضغط الرّوسيّ على تركيّا ومكافأتها باحتلال عفرين، والانتقال إلى مرحلة تقسيم مناطق النفوذ بين الدول الثلاث الراعية “لصفقات” أستانه، روسيّا، تركيّا وإيران.

غير أنّ احتلال تركيّا لعفرين كان لها وقعها وأثرها في اختلال موازين القوى على الأرض، ليعيد كلّ طرف ضالع في الأزمة السّوريّة حساباته من جديد، في اختيار حلفاء جدد، وانهيار بعض التحالفات التي لم يعد لها جدوى، من وجهة نظر تلك القوى.

أطراف “ممتعضة ومغبونة” من احتلال تركيّا لعفرين

روسيّا التي منحت الضوء الأخضر لتركيّا لاحتلال عفرين، مازالت تنتهج ذات السياسة البراغماتيّة، في الضغط على كافة الأطراف التي لم تؤيّد الاحتلال التركيّ علانية، حيث تجد تلك الأطراف الاحتلال التركيّ خطراً يهدّد مصالحها ووجودها في سوريّا، وأوّلها إيران والنظام السّوريّ.

تقليص نفوذ إيران في سوريّا

إيران التي تحمّست كثيراً في كبح جماح تركيّا في التمدّد على السّاحة السّوريّة، وجدت نفسها وحيدة أمام قوّة تعاديها في المذهب والطموحات في مدّ النفوذ في المنطقة، وتتّفق معها في معاداة الكرد. إيران المغبونة من ازدياد الدور الرّوسيّ المتناغم مع تركيّا الاحتلاليّة، لم تتمكّن من تغيير المعادلات العسكريّة والسياسيّة الجديدة الناشئة على الجغرافيا السّوريّة، عل العكس تماماً، الضغوط الرّوسيّة عليها، و”المتكاملة” مع الموقف الأمريكيّ في “تقليص” نفوذ إيران في سوريّا إلى حدّ ما، أنتجت انسحابات إيرانيّة ومن عدّة مواقع عسكريّة ملتهبة في مواجهة كلّ من إسرائيل في الجنوب، وإدلب، وكذلك في مناطق الشهباء المتاخمة لتواجد الاحتلال التركيّ ومرتزقته في تلّ رفعت في الشّمال.

تبيّن للقاصي والداني أنّ روسيّا تستفرد بالأزمة السّوريّة من طرف واحد وتديرها بأسوأ أشكالها، في ظلّ غياب دور أمريكيّ فاعل – على الأقلّ في المناطق الشّماليّة الغربيّة والغربيّة من سوريّا – يبدو ومن خلال الوقائع على الأرض، أنّها – أي روسيّا – إنّما تفرض واقعاً “تقسيميّاً”، عبر تعزيز وتوسيع الدور التركيّ ومرتزقتها في الشّمال السّوريّ وبالذّات في عفرين، علاوة على تماهيها مع الشروط الأمريكيّة والإسرائيليّة في تقويض دور إيران وحلفائها من حزب الله والميليشيّات الشيعيّة التابعة لها، ممّا حدا برئيس النظام السّوريّ إلى الإعلان عن حلّ الميليشيّات الشيعيّة وسحبها من مناطق المواجهة مع إسرائيل، وضمّ قسم منها إلى قوّاته.

رسائل روسيّة ينقلها النظام إلى قامشلو

كما أنّ الخِيارات التي وضعها رئيس النظام السّوريّ أمام قوّات سوريّا الديمقراطيّة؛ التفاوض أو المجابهة العسكريّة، ومحاولة إسباغ صبغة “الشرعيّة” على تصريحه، إنّما تنمّ عن ضغوط روسيّة واضحة عليه، وجرّه إلى مواجهة مفتوحة مع قسد، وبالتالي مع قوّات التحالف الدّوليّ لمحاربة الإرهاب، ما يضفي على الأزمة السّوريّة تعقيدات إضافيّة وحرباً لا يتكهّن أحد بمجراها ونهايتها، رغم إدراك الجميع عدم قناعة النظام نفسه بفتح مواجهة مع قسد، وسرعان ما تراجع النظام – نوعاً ما – عن تصريحه، حيث حاول وزير خارجيّته المعلّم تهدئة الأجواء والتخفيف من ارتداداته خاصّة بعد صدور ردود فعل من قوّات سوريّا الديمقراطيّة ومسؤولين في الإدارة الذاتيّة الديمقراطيّة ومجل سوريّا الديمقراطيّة تدعو فيها إلى سلوك سبل الحوار لحلّ كافة الإشكالات ونبذ العنف وأنّه لا جدوى منه. تزامنت هذه التصريحات مع زيارة وفد من المعارضة المحسوبة على النظام إلى قامشلو وإجرائه مفاوضات مع الإدارة الذاتيّة الديمقراطيّة، وهو مؤشر على أنّ النظام هو الآخر يحاول “التملّص” من الضغوطات الرّوسيّة المجحفة عليه وإيصال رسائل النظام والرّوس إلى قامشلو، وكذلك تشكيل تحالفات بمعزل عن حليفه الرّوسيّ الذي يحاول الآن أخذ كلّ ما منحه للنظام، بل ويزيد.

توافقات أمريكيّة – روسيّة محدودة

التوافقات المحدودة التي حصلت على الأرض بين روسيّا وأمريكا، أثمرت خلال الأيام الماضية عن ترتيبات قَبِلَت بها إسرائيل، ولكنّها بالمقابل لم تفسح المجال أمام روسيّا وحلفائها في التأثير على حملة عاصفة الجزيرة التي تقودها قوّات سوريّا الديمقراطيّة وقوّات التحالف في دير الزور للقضاء على ما تبقّى من جيوب لمرتزقة داعش فيها. ورغم الاستفزازات الرّوسيّة من خلال دفعها بمرتزقتها من الشركة الرّوسيّة الخاصّة وقوّات النظام، وكذلك تجميع مرتزقة داعش ممّن تمّ نقلهم من مخيّم اليرموك ووضعها في مواجهة قوّات قسد، إلا أنّها فشلت في عرقلة الحملة أو محاولة الاستحواذ على بعض المناطق وخاصّة النفطيّة التي حرّرتها قوّات قسد.

محاولة تركيّة لاستيعاب كرد عفرين

سياسيّاً، لا أحد يمكنه وضع حلول ناجعة وترتيبات نهائيّة لمجمل الوضع السّوريّ دون مشاركة كافة الأطراف، داخليّة كانت أم خارجيّة. تركيّا، ورغم سباقها مع الزمن في إتمام عمليّة التغيير الديمغرافيّ في مقاطعة عفرين، عبر استقدام المزيد من المرتزقة ومهجّري كافة المناطق السّوريّة وتوطينهم فيها، إلا أنّها لم تصل إلى مبتغاها في استتباب الأمن والاستقرار لصالحها، بل شهدنا في الأيام القليلة الماضية عدّة عمليّات لوحدات حماية الشعب والمرأة في عدّة مناطق في مقاطعة عفرين وريفها، وكذلك التمرّد من قبل عشيرة “البنّاويّة” العربيّة ردّاً على المظالم التي يرتكبها المرتزقة ضدّ المدنيين وسلبهم أموالهم وكامل ممتلكاتهم، وخروج مظاهرات مندّدة بالأفعال الشنيعة للمرتزقة، كلّها حدت بإدارة الاحتلال التركيّ إلى تغيير سلوكها مع الأهالي، وإبداء نوع من “المرونة” في التعامل معهم، عبر الاستماع إلى شكاويهم وتحميل المرتزقة مسؤوليّة ما آلت إليه الأوضاع في عفرين من عمليّات النهب والسرقات والخطف والقتل، محاولة بذلك كسب ودّ الأهالي واستمالتهم وخلق نوع من الكرد “الجيّدين” وفق منظورها الاحتلاليّ، خاصّة بعد فشل ما أسمته “المجالس المحلّيّة” في المدن والقرى وعجزها عن تقديم أيّة خدمات تذكر للأهالي. فتركيّا تحاول، يائسة، احتضان الكرد في عفرين بعدما لم تنفع سياسة العصا الغليظة وحدها في اخضاعهم لإرادتها، أي أنّها تلعب على التناقضات التي ولّدتها عمليّة الاحتلال. هذه الأوضاع المتشكّلة ما بعد الاحتلال؛ تمهّد لمرحلة قادمة؛ عنوانها الرئيس؛ ” لا حياة مع الاحتلال”.

المساومة على منبج وتل رفعت مستمرّة

كما أنّ موضوع منبج وتل رفعت اللّتان دخلتا سوق المساومة الرّوسيّة التركيّة، لا يمكن فصل مساراتهما عمّا يحصل في عفرين. فأردوغان الذي يبحث عن نصر سياسيّ يحقّق له نصراً على خصومه قُبيل الانتخابات – وهم ليسوا قلّة ولا في موقع ضعف، بل يشكّلون تهديداً حقيقيّاً له ولحزبه – يطرح بإلحاح مسألة دخوله منبج وتل رفعت، وليس مستبعداً أن يقوم بعمل طائش يوهم به قاعدته الشعبيّة بأنّه يعمل من أجل مصالح تركيّا، خاصّة بعد تدهور قيمة الليرة التركيّة، وتردّي أداء الاقتصاد التركيّ وهروب رؤوس الأموال الأجنبيّة منها وخاصّة الخليجيّة. وإمكانيّة إقدامه على أيّ عمل عسكريّ احتلاليّ جديد، كما في عمليّة احتلال عفرين، يتوقّف على مدى التوافق الرّوسيّ والأمريكي معها ومنحها الضوء الأخضر. التأكيدات الأمريكيّة اليوميّة الصادرة عن عدّة مسؤولين عسكريين وسياسيين تفيد بقطع الطريق على تركيّا في تكرار سيناريو عفرين في منبج، ولكن قد يحمل لقاء وزير خارجيّة أمريكا وتركيّا في واشنطن اليوم مفاجآت غير سارّة بالنسبة لكلّ الأطراف السّوريّة وخاصّة الوطنيّة منها الممتعضة من المساومات والمقايضات، وما أكثرها في سوريّا هذه الأيام، لأنّ السياسة الأمريكيّة هكذا عوّدتنا؛ التضحية بحلفائها وشركائها على مذبح مصالحها، وخاصّة أمام دولة مثل تركيّا تربطها مصالح سياسيّة وعسكريّة واقتصاديّة عميقة وتاريخيّة. فيما روسيّا أيضاً تدفع باتّجاه نيل رضا تركيّا وتسليمها تل رفعت، مقابل انسحاب مرتزقة الأخيرة من الغاب وجسر الشغور وعدّة مناطق من إدلب، تمهيداً لبدء عمليّة عسكريّة أو تدجين لمرتزقة هيئة تحرير الشّام “جبهة النصرة سابقاً”، ما يوحي بمنح تركيّا مزيداً من الامتيازات في سوريّا ليس على حساب ليس الكرد فقط، وإنّما سوريّا برمّتها أرضاً وشعباً، مقابل مصالحها الاقتصاديّة وإخضاع فصائل المرتزقة لإرادتهما.

تفويت الفرصة على روسيّا وتركيّا وحلفائهما

ولكن هل يستطيع الكرد، وبالتشارك مع كافة المكوّنات والقوى السياسيّة في روج آفا وشمال سوريّا استيعاب هذه الاستدارات والأوضاع الجديدة الناشئة بعد احتلال عفرين، والاستفادة من التناقضات واستثمارها بالشكل الأنسب، وتجنّب أيّة كوارث أخرى، وتالياً تثبيت الانتصارات التي حقّقوها طيلة السنوات الماضية من نضالهم وكفاحهم، وتفويت الفرصة على تركيّا وأعوانها وكافة المتربّصين بإنجازات الكرد وشركائهم…؟؟؟

أعتقد أنّ هذا الأمر يتوقّف على إبداء المزيد من المرونة السياسيّة والانسيابيّة في التعامل مع كافة الأطراف الفاعلة، واستثمار عامل الزمن، والعمل بذهنيّة منفتحة على الآخر، وليس تقوية الجانب العسكريّ فقط، الذي أثبت أنّه ليس الحلّ الوحيد.