الرئيسيةمقالاتالكواكبي وديمقراطية “جحا”

الكواكبي وديمقراطية “جحا”

محسن عوض الله

من أكثر قصص الفكاهة التي يتداولها المصريون والعرب حكايات جحا تلك الشخصية الأسطورية أو التاريخية التي لا أعرف شخصياً حقيقة وجودها في التاريخ من عدمه.

يُحكي عن جحا أنه كان جالساً ذات يوم مع صديق له فأراد أن يُسلي وقته ويضحك، فأبتكر قصة خيالية مفادها “أن هناك فرح كبير على أطراف المدينة يُوزع فيه ما لذ وطاب من الطعام، وكلما مر عليه شخص قال له هناك فرح كبير مليء بالولائم فأسرع كي تأخذ نصيبك، تكرر هذا الأمر مع شخص واثنين وعشرة.

وفجأة نهض جحا مسرعاً تاركاً صديقه الذي سأله إلى أين يا جحا فقال إلى الفرح كي أخذ نصيبي!!!

لا أعرف لماذا تذكرت هذه القصة وأنا أتابع تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان سواء خلال إدلائه بصوته أو عقب فوزه بفترة رئاسية جديدة في الانتخابات التركية.

وكان أردوغان قد اعتبر خلال إدلائه بصوته أن تركيا تحقق ثورة ديمقراطية بهذه الانتخابات!

كما أعلن خلال خطاب النصر أن 90% من الناخبين الأتراك أعطوا العالم بأسره دروساً في الديمقراطية!!!

يبدو أردوغان كـ”جحا” يصنع الكذبة ثم يصدقها، متبعاً نظرية وزير إعلام هتلر “جوبلز” إكذب إكذب حتى يصدقك الناس .

 لا أعلم عن أي ديمقراطية يتحدث أردوغان وأحد منافسيه صلاح الدين ديمرتاش قد خاض سباق الانتخابات الرئاسية من خلف أسوار المعتقل، محروماً من كل حقوقه الانتخابية، فلم ينظم دعاية، أو يعقد مؤتمرات لتقديم نفسه للناخبين، ورغم ذلك نجح أن يحصد المركز الثالث في انتخابات لاحقتها شبهات التزوير.

 أي ديمقراطية يتعلمها العالم من تركيا التي تعيش في حالة طوارئ منذ عامين عقب محاولة الانقلاب الفاشلة في 2016، ويبلغ عدد المعتقلين فيها أكثر من 50 ألف شخص وينتظر 50 ألف آخرين المحاكمة بتهمة المشاركة بالانقلاب!

أي ديمقراطية تلك التي شردت وفصلت أكثر من 107 ألف موظف عسكري بتهمة الانتماء للتنظيم الموازي المعروف بحركة الخدمة التابعة لرجل الدين فتح الله كولن الذي تتهمه السلطات بالتورط في محاولة انقلاب 15 يوليو 2016 .

انقلاب 2016 الذي يصفه معارضو الرئيس التركي بالتمثيلية التي فبركها أردوغان للتخلص من معارضيه وإحكام قبضته على البلاد التي دخلت منذ ذلك التاريخ نفق الاستبداد المظلم، حيث لا صوت يعلو فوق صوت أردوغان وحزبه، وكل من يخالفهم فهو خائن انقلابي مجرم !

يتحدث أردوغان عن ديمقراطية لا يراها سواه، ولا يشعر بها سوي أتباعه، ديمقراطية إقصاء الأخر والتنكيل به، وقتله إن لزم الأمر.

“ثورة الديمقراطية” التي يريد أردوغان أن يتعلمها العالم من الأتراك هي تلك التي يتمتع فيها الرئيس “أردوغان” بصلاحيات لا يتمتع بها ملوك وأمراء أوروبا، بل وحكام الشرق الأوسط الذين طالما هاجمهم أردوغان ووصفهم بالمستبدين.

 فوفقاً للنظام الرئاسي الذي وافق عليه الأتراك في استفتاء أبريل وبدأ تطبيقه بعد إعلان نتيجة الانتخابات فإن أردوغان أصبح هو رئيس الدولة والحكومة معاً، من حقه أن يعين الحكومة دون الرجوع للبرلمان الذي يمكن لأردوغان أن يحله في أي وقت.

أصبح أردوغان بحكم النظام الجديد هو المسؤول عن تعيين الوزراء وكبار الموظفين واختيار نائب للرئيس أو أكثر.

وتعيين أعضاء بالمجلس الأعلى للقضاة ومدعي العموم المسؤول عن التعيينات والإقالات بالسلك القضائي فضلاً عن إعلان حالة الطوارئ قبل عرضها على البرلمان كما ستكون مدة الرئاسة 5 سنوات ويجوز له الترشح مرة أخرى.

أصبح أردوغان هو الحاكم الأول والأخير في بلاد الأناضول ورغم ذلك يرى أن بلاده مدرسة الديمقراطية التي يجب أن يتعلم منها الجميع!!

بالنظر في كتاب “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد” لشيخ الإسلام عبد الرحمن الكواكبي نجد أن الكثير من صفات الحاكم المستبد تنطبق بشكل كبير على أردوغان ربما أولها أنه يرى نفسه ديمقراطي جداً بل مدرسة في الديمقراطية!

وبحسب الكواكبي فإن خير ما يُستدل به على درجة استبداد الحكومات هو مغالاتها في شنآن الملوك وفخامة القصور ” ونذكر هنا أن قصر الرئاسة التركية الذي تم تشييده لأردوغان في 2014 بتكلفة تجاوزت 600مليون دولار يفوق في فخامته قصر الإليزيه بفرنسا والقصر الملكي بلندن!

ويري الكواكبي أن الحاكم المستبد يقف حاجزاً منيعاً أمام كتاب الرأي ويمنعهم عن الكلام المباح، ومن المعروف أن تركيا تحتل المركز الأول في عدد الصحفيين المعتقلين وفقاً لبيانات اللجنة الدولية لحماية الصحفيين.

ويعرف الكواكبي الاستبداد بأنه “غرور المرء برايه”، وكان أردوغان قد أعلن في تصريحات تليفزيونية منذ قبل الانتخابات أنه يعتبر نفسه والرئيس الروسي بوتين من أكثر السياسيين في العالم حنكة!

ربما قرأ أردوغان كتاب الكواكبي بل من المحتمل أن الكتاب موجود في مكتبة أردوغان الخاصة أو أحد مستشاريه ولكنه بالتأكيد لم يتصور نفسه يوماً أن يكون هو المقصود بكلمات الكواكبي فهو كما جحا يكذب الكذبة ويسوقها للناس ثم يصدقها!

ختاماً يكفي أن نعلم أن الكواكبي ذلك الكاتب الصحفي الثوري سوري الجنسية قد لقي مصرعه على يد أحد أعوان السلطة العثمانية التي قررت التخلص منه نظراً لمعارضته الشديدة لنظام الحكم العثماني واستبداد الباب العالي الذي لم يجد حلاً لمواجهته قلمه الحر المعادي للاستبداد سوى بجرعة سم قاتل وضعها له أحد الموالين لقوى الاستبداد فمات فجأة بالقاهرة بعد أن هرب من مطاردتهم له بحلب.

رحل الكواكبي، ورحل السلطان العثماني، وبقيت كتابات الكواكبي خالدة تطارد كل مستبد يسعي لأن يكون سلطان عثماني.