الرئيسيةمقالاتتركيــــــــــا في المَزاد

تركيــــــــــا في المَزاد

محسن عوض الله (كاتب مصري):

مَثَّلت محاولة الانقلاب التي شَهدَتها تركيا في يوليو 2016 منعطفاً تاريخياً في علاقات أنقرة الخارجية، حيث شَهِدَت العلاقات مع أوروبا تدهوراً كبيراً في مُقابل تحسُّن العلاقات مع روسيا التي دعمت الموقف التركي وأدانَت محاولة الانقلاب منذ اللحظة الأولى.

منذ تلك اللحظة تحوَّل الخلاف التركي الروسي لتحالفٍ وثيقٍ ظهرت معالمهُ داخل الأرض السورية من خلال تنسيق الموقف بين البلدين حول الأزمة بحكم سيطرة أنقرة على الجماعات المسلحة في سوريا وسيطرة موسكو على مُقدَّرات النظام السوري.

عَقَدَ الطرفان الكثير من الصفقات “القذرة” على حساب  الدماء السورية، وتبادلا تقسيم المدن السورية وكأنَّها عِزَب خاصة، فوجدنا الأتراك يُقدّمون حلب على طبقٍ من فضة للرُّوس الذين سمحوا لهم بالانتشار في مناطق إعزاز وجرابلس والباب أو ما يُعرف بمناطق درع الفرات.

كما قدَّم الرُّوسُ (عفرين) مدينة الزيتون لأنقرة مُقابلَ أن تتخلّي الأخيرة عن الغوطة وأهلها.

كانت تركيا تستغلُّ تقاربُها مع روسيا لمعاقبة الغرب على موقفهِ الدّاعم لأكراد سوريا الحليف الرئيسي للتحالف الدولي لمحاربة الإرهاب في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية داعش.

وظلَّ الدعم الأمريكي لكُرد سوريا نقطةَ خلافٍ كبيرة بين أنقرة وواشنطن التي ترى في أكراد سوريا شريكاً رئيسياً في محاربة الإرهاب بسوريا، في حين تعتبرُهُم تركيا تنظيماً إرهابياً.

الحاجة الأمريكية لتركيا كانت أحد الأسباب الرئيسية لتجاهل واشنطن اتخاذ موقفٍ جريءٍ إزاءَ الحرب التركية على عفرين والممارسات الإرهابية التي نفَّذتها الفصائل الموالية لأنقرة من عمليات سلبٍ ونهبٍ بالمدينة.

مع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلغاء الاتّفاق النُّوَوي مع إيران ونيَّتهِ تشكيل تحالفٍ دوليٍّ لمواجهتها زادت الحاجة الأمريكية لأنقرة باعتبارها دولةً إقليميةً يُمكنُ أن تلعب دوراً مهماً في محاصرة دولة الملالي وتقليم أظافرها بسوريا والعراق.

كما تسعى واشنطن لاجتذاب أنقرة من أحضان الدُّب الرُّوسي لتغيير خريطة القوى الفعَّالة على أرض سورية نظراً لتأثير التحالف الروسي التركي على مُجريات الأزمة السورية.

كانت أنقرة تُدركُ جيداً مدى الحاجة الأمريكية لها في استراتيجيتها الجديدة تِجاهَ إيران وروسيا، لذا استغلَّت ذلك بالضغط على واشنطن من أجل فَكَّ ارتباطها رويداً رويداً بأكراد سوريا، وتُمثّل خريطة الطريق حول منبج التي تمّ التوصل إليها مؤخراً خلال لقاء وزيرا خارجية تركيا وواشنطن خطوةً في هذا الاتجاه التركي الساعي لرفع الغطاء الأمريكي عن كُرد سوريا.

وكانت واشنطن وأنقرة قد أعلنتا التوصل لاتفاق حول مدينة منبج السورية يقضي بانسحاب وحدات حماية الشعب الكُردية من المدينة وهو الأمر الذي قَبَلتهُ وحدات حماية الشعب باعتبار أنَّ قواتها غير متواجدةٍ بالأساس في مدينة منبج وأنَّ الأمر لا يَتَعَدّى بعض المستشارين العسكريين الذين تم الإعلان عن سحبهم بالتنسيق مع مجلس منبج العسكري.

من جانبها أعلنت موسكو رفضها للاتفاق التركي الأمريكي، واعتبرت وزارة الدفاع الروسية أنَّ اتفاق منبج باطلٌ بكافَّة المقاييس باعتباره تمَّ بين دولتين تفتقدان للشرعية بتواجدهما على الأراضي السورية، وقامتا بإبرام الاتفاق دون التنسيق مع الحكومة السورية في دمشق.

بعيداً عن مُسَوّغات الرفض الروسي، فالأمر ليس له علاقةٌ بالشرعية أو غيرها، فموسكو تُدركُ أكثر من غيرها أن سوريا مُستباحةٌ من كل أجهزة استخبارات العالم، والأمر لا يتعدّى خشية الروس من خسارة الحليف التركي، وتحوُّله لصالح المعسكر الغربي خاصةً أنَّ تركيا تنتهكُ الشرعية الدولية وتحتلُّ شمال سوريا بالمُخالفة لكل قوانين المجتمع الدولي بموافقةٍ روسيةٍ وُفقَ خُطط التقسيم المُتَّفقِ عليها بين البلدين.

بوادر التقارب الأمريكي التركي الذي عبَّر عنه اتفاق منبج ألقى بظلالهِ على علاقات أنقرة / موسكو سريعاً وكأن تركيا كانت تنتظر ابتسامة العم سام لتنقلب على حليفتها موسكو.

ظهرت الشجاعة على وزير الخارجية التركي مولود تشاويش أوغلو، بعد أيامٍ من لقاءه بنظيره الأمريكي بومبيو، وفي لقاءٍ أمام جمعية الثقافة والتضامن لأتراك القِرِم في أنقرة أعلن أوغلو أن أنقرة لن تنسى أبداً قضية شبه جزيرة القرم، ولن تعترف بِضمّها إلى روسيا.

وأعلن وزير الخارجية التركي عن ذلك بحضور نظيره الأوكراني بافلو كليمكين، والنائب في البرلمان الأوكراني مصطفى جميل، أحد قادة تنظيم “مجلس شعب تتار القرم”، المُتطرّف والمحظور في روسيا، الذين وصلوا إلى أنقرة للمشاركة في أنشطة مشتركة تقوم بها أوكرانيا وتركيا بمناسبة الذكرى السنوية الـ74 لتهجير تتار القرم.

ومن المعروف أن شبه جزيرة القِرم، قد أصبحت إقليماً فدرالياً روسيَّاً، بعد الاستفتاء الذي جرى فيها يوم 16 مارس عام 2014 وصَوتَّت أغلبية الناخبين لصالح الانفصال عن أوكرانيا والانضمام إلى روسيا، وأصبحت جمهورية القرم ضمن روسيا الاتحادية، اعتباراً من 18 مارس عام 2014.

لم تتأخر روسيا في الرَّدّ على تصريحات أوغلو حيث اعتبر رئيس لجنة الشؤون الدولية في مجلس الاتحاد الروسي قسطنطين كوساتشوف، أنَّ تصريحات وزير الخارجية التركي بخصوص القرم لا تُسهمُ في تحسين العلاقات بين روسيا وتركيا.

وقال كوساتشوف: “يُمكنُ الافتراض أن تصريحات الوزير التركي تُمثّلُ نوعاً من مناورةٍ هدفها صرف انتباه الغرب (عن تركيا) ولفتهِ إلى روسيا”.

المناورة التركية كما عبَّر عنها الوزير الروسي ربما تكون التعبير الأنسب والأصح للسياسة التركية التي تعتمد بالفعل اللعب على تناقضات المصالح الأمريكية الروسية، وسعي الطرفان لاستقطابها لتحقيق أكبر المكاسب، وهو ما يجعلها تفتح باب المزاد على نفسها لمن يدفع أكثر.

المزاد التركي وسياسة المناورة التي تعتمدها تركيا قد تكون سلاحاً ذي حَدَّينِ فإمّا أن تحقّقَ من خلاله أنقرة كل المكاسب أو تخسر كل شيءٍ.

فَبِافتراضِ استمرار التقارب الأمريكي التركي فإن ذلك يعني وُفقَ الحسابات على أرض الواقع إمكانية أن تلجأ روسيا المُتحكّم الرئيسي بالأوضاع السورية لسياسة العَصَا لمواجهة الجزرة الأمريكية التي أكلتها تركيا.

تمتلكُ روسيا بحكم نفوذها علاقاتٍ مع قطاعٍ كبيرٍ من المعارضة المسلحة وعلي رأسها القوى الكُردية العدوُّ اللَّدودُ لأنقرة وهو ما يُمكن أن يدفع موسكو لتوافقٍ مع الكُرد بحضور النظام وحليفته إيران بصورةٍ قد تُغيُّرُ من خريطة الوضع بعفرين التي تحتلها أنقرة منذ مارس الماضي.

أمَّا في حال عودة تركيا لأحضان الدب الروسي وتخليها عن العم سام فإنَّ واشنطن تملكُ من وسائل الضغط ما يجعلها تستطيع معاقبة تركيا بشكلٍ كبيرٍ وليس أقلَّها استمرار الدعم العسكري لوحدات حماية الشعب الكُردية وإلغاء اتفاق منبج والتراجع عن كل الاتفاقات التي كان من المُزمَعِ عقدُها بين الطرفين.

بقي أن نُؤكّد أن طريقة تعاطي وحدات حماية الشعب الكُردية من التقارب الأمريكي التركي تحمل قدراً كبيراً من الذَّكاء السياسي، فالانحناءُ للعاصفة القوية فِطنَةٌ وليسَ ضعفاً.

ختاماً .. لا يُمكنُ أن تستمرَّ سياسة المناورة التي تعتمدها تركيا في التعامل مع القوى الدولية، فكما يقولون من السهل أن تخدعَ بعض البشر لبعض الوقت ولكن من المستحيل أن تخدع كل البشر كل الوقت.