الرئيسيةمقالاتخـــــارطة (منبج) الجيوسياسيَّة

خـــــارطة (منبج) الجيوسياسيَّة

مرَّةً أُخرى تعود القضية الشَّائـــــكة بين حليفين استراتيجييّن قديمينِ إلى التَّعويم من جديد وخاصَّةً عَقِبَ زيارة وزير الخارجية التركي لنظيره الأمريكي والتباحث حول قضايا خلافية كثيرة.

 ليست قضية فتح الله غولن الأولى ولا اختلاف الأجندات على الأراضي السورية الأخيرة، وقضية الصواريخ اس 400 الروسية التي تنوي تركيا شرائها من روسيا.

أمام هذا الكَمّ الهائل من القضايا الخلافية تبلورت في الآونة الأخيرة وضَجَّت وسائل الإعلام بما سُمّيَ اتفاقاً بين الولايات المتحدة الأمريكية وتركيا حول منطقةٍ لطالما كانت أشبهَ ببركانٍ خامدٍ تتصارعُ حوله جهات إقليمية ودولية عدَّة هي مدينة منبج التي تمَّ تحريرها من براثن تنظيم داعش على أيدي قوات سوريا الديمقراطية، والتي استطاعت في فترةٍ وجيزةٍ الخروج من نفقها المُظلم وبدأت تستعيد عافيتها وذلك بدعم أبنائها بمختلف مكوناتهم، ورغم الجَدَل الحاصل حول هذا الاتفاق وخفاياه وما سَينجُمُ عنه.

إلَّا أنَّ الواضح هو الرفض الشعبي لما تقوم به هذه القوى ودون الرجوع للمجتمع المنبجي، فَأيُّ شرعيةٍ يُمكن أن يكتسبها هكذا اتّفاق؟.

من الواضح أنَّ هذا الاتفاق جاء نتيجة تفاهماتٍ سابقةٍ مع وزير الخارجية الأمريكية (تريلسون) وإن بتغيُّراتٍ طفيفةٍ، وهو بمثابة تضميدٍ للجراح في العلاقة المتوترة بين الأمريكان والأتراك.

فحسب التصريحات الأمريكية والتحليلات يحمل هذا الاتفاق في طيّاته صبغةً سياسيةً إعلاميةً ليس أكثر، وهو عبارةٌ عن خارطة طريقٍ لحفظ الأمن والاستقرار في منبج على الأمد الطويل.

ومقابل هذا الاتفاق الذي سيكون له أثرٌ في سير الانتخابات التركية لصالح أردوغان أيضاً هناك مقابلٌ سيتوجب على تركيا دفعهُ في مرحلة ما بعد الانتخابات، وسَتتَّضحُ في الأشهر القادمة أيَّ ثمنٍ دفعهُ الأتراك مقابل اقناع واشنطن بهــكذا اتفاق والثمار التي سَتَجنيها الدبلوماسية الأمريكية.

لكنَّ الَّلافتَ للانتباه هو ابرام هكذا صفقة في خِضَمِّ التهافُت الدبلوماسي من قِبل النظام والمعارضة السورية تِجاهَ مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، والرَّغبة في فتح باب الحوار والمفاوضات التي كانت بالأساس مطلب مجلس سوريا الديمقراطية واقرارهم دوماً أنَّ الحل للازمة السورية لن يكون إلَّا بحوارٍ بين السوريين أنفسهم وإقصاء لغة الحرب والتهديد والوعيد.

فّهَل هذا الاتفاق جاء ليقطع الطريق عن إجراء أي مفاوضات مستقبلية مع دمشق وبالتالي إطالة أمد الأزمة السورية؟.

كل الأحداث المُتتالية والمُتسارعة على الساحة السورية تُثبت من جديد أن أزمتنا لن تُحلَّ إلَّا بحوارٍ سوريٍّ سوري ودون إملاءاتٍ خارجيةٍ وبعد خروج كل القوى الأجنبية من سوريا، والتركيز على شكل الدولة الجديد ومشاركة جميع مكونات الشعب السوري وبمختلف أطيافهم في صياغة عقدٍ اجتماعيٍ جديدٍ يُراعي تطورات الوضع الراهن في سوريا لاسيَّما ظروف الحرب وأسبابها ومخرجاتها، وعقد مؤتمرٍ وطنيٍ جامعٍ يُنهي حالة الانقسام والصراع التي كادت أن تُمزّقَ نسيجنَا المتنوع بكل ألوانه وأطيافه.

أيُّ اتفاقٍ يُبرمُ خارج إرادة السوريين لن يكون له أيَّ مغزىً وسيكون بمثابة إملاءات ووصايا على طموحات السوريين، كذلك اتفاق منبج فهو بالنهاية عبارةٌ عن تفويضٍ من قبل أطرافٍ قرَّرت عن أهل منبج، وما هو إلَّا رمادٌ يُذَرُّ في العيون، وهو اتفاقٌ يَلزمهُ الكثير من الاتفاقات المستقبلية لتوضح صورة وماهيَّة خارطة طريق منبج والتي تبدو هشَّةً جداً ومؤقتة ولن تصمد كثيراً في المستقبل..

فأهلُ منبج أدرى بشعابها وهم من سيقولون كلمة الفصل في أي تفاهمات مستقبلية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حســين عثمان