الرئيسيةمقالاتعفرين – منبج – ادلب ، في عين العاصفة

عفرين – منبج – ادلب ، في عين العاصفة

بعد نحو ثماني سنواتٍ من الحرب الأهليّة المُستمرّة في سوريّا والتي أتت على الأخضر واليابس، يبدو للمُتتبّع لسير الأحداث فيها أنّه بدأت تَلوحُ في الأُفقِ بشائرٌ كي تضع الحرب أوزارها، وتنطلق معها مرحلةٌ جديدةٌ سِمَتُها الأساسيّة، الحلول التوافقيّة بين الداخل والخارج، وظهور مشاريع بعض الأطراف وتحديد ثوابت الحلّ ومنطلقاته، إضافةً لانهيار مشاريع أخرى راهنت على الحرب والفوضى.

صانعُ السُّمّ ذائِقُهُ

يعلّمُنا التاريخ وخاصّةً تاريخ الحروب والصراعات، أنّ مرحلة ما قبل نهاياتها دائماً ما تُرافقها ارتفاع حِدّة العنف بين الأطراف المتصارعة، وغالباً ما تكون داميةً “حرب رُبع الساعة الأخيرة”، لِنَزعِ تنازُلاتٍ من الخَصمِ، والتحكّم بموازين القوى على الأرض، والإيهام “بانتصاره”، وفي المُحصّلة يرمي الكلّ أوراقه على طاولة الحوار أو المفاوضات، وأحياناً تكون هذه المرحلة أصعب من الحرب نفسها.

  الثابت في الحالة السّوريّة، أن لا أحد انتصر في الحرب، والكلّ وصل إلى حائطٍ مسدود، في ظلّ تبدُّلٍ دائمٍ في خرائط السيطرة السياسيّة والعسكريّة، وما رافقها من تدخّلٍ للقوى الخارجيّة فيها بشكلٍ مباشرٍ، ما فرض إعادة مراجعة لمشاريع وحسابات القوى والكتل التي راهنت على حسم الصراع لصالحها – عسكريّاً – دون الأخذ بعين الاعتبار لعبة الأمم والقوى العُظمى، لتُدركَ في النهاية قوى “منفعلة” وليست “فاعلة” وتمثّل دور الطرف وليس المركز.

القناعة التي ترسّخَت في أذهان السّوريين جميعاً وكذلك القوى السياسيّة، أنّ لا مستقبل للإرهاب في سوريّا ولا حاضنة اجتماعيّة له، وهذه حقيقة تاريخيّة لا يمكن التشكيك فيها، بل إنّ من بنى ذاته على تمرير مشاريعه عبر الإرهاب؛ سقط في مستنقعه، دون أن يحصد شيئاً، فصانُع السُّمّ ذائقهُ لا مُحال، وبناءً على هذه المَسلَّمَة والبديهيّة؛ بدأت ساحة الإرهاب في سوريّا بالانحسار تدريجيّاً بدءاً من عام 2015 وتحديداً بعد انتصار مقاومة كوباني.

سيناريوهات ما بعد القضاء على الإرهاب

يُفترضُ الانتقال لمرحلة ما بعد القضاء على الإرهاب، أن تُفتح الأبواب أمام توافقاتٍ وحلولٍ تُفضي إلى إنهاء الأزمة السّوريّة وبكلّ مستوياتها، وهذا إلى حدٍّ ما مرهونٌ بتموضعات القوى الدّوليّة في الساحة السّوريّة، ومساحات نفوذها ومصالحها.

أمريكا وروسيّا وبعد شَدٍّ وجَذبٍ طالَ كثيراً بينهما، يبدو من خلال الوقائع الأخيرة، أنّهما توصّلتا إلى وضع خارطة طريق لحلّ الأزمة السّوريّة، بوضع عددٍ من الآليات والترتيبات التي من شأنها أن تُطلق حواراتٍ وعبر عدّة مسارات، ولكنّها في النهاية تلتقي في نقطةٍ واحدةٍ، التسريبات التي نشرتها وسائل إعلام روسيّة حول تسليم المبادرة لقوّات النظام في حلّ الميليشيّات التي اعتبرتها “رديفة” لها حتّى الأمس القريب، ووضعها أمام خِيارين إمّا حلّ نفسها أو الانضمام إلى قوّات النظام، مع تقويض دور الميليشيّات الشيعيّة المدعومة من إيران، علاوةً على تقليص نفوذ إيران والضغط عليها للانسحاب من بعض المناطق الساخنة التي تُهدّد أمن إسرائيل والمصالح الأمريكيّة، وطرح موضوع تحرير إدلب من هيئة تحرير الشام “جبهة النصرة سابقاً”، كأولويّة لهما، كلّ هذه التطوّرات تُؤكّد على وجود تفاهمات (رّوسيّة – أمريكيّة) حول سوريّا بخصوص الوضع النهائي لها.

عمليّة إدلب تَمُرُّ من عفرين

إطلاق عمليّة إدلب وبموافقةٍ روسيّةٍ أمريكيّة، وبمشاركة قوّات سوريّا الديمقراطيّة وقوّات النظام، دون القوّات الإيرانيّة وحلفائها، حتماً تَمُرّ من عفرين كجغرافيا متّصلة معها وكمقدّمة لدحر الإرهاب الذي تَعشّشَ فيها بعد احتلالها من قبل تركيّا، فضلاً عن أنّها تُعدُّ وبكلّ بداية لتصدّع العلاقات الرّوسيّة – التركيّة، وتجاهل الدورين التركيّ والإيرانيّ في رسم مستقبل سوريّا، حيث من المعلوم أنّ القوّات التركيّة احتلّت إدلب أيضاً، تحت مُسمّى “مناطق خفض التصعيد” التي أفرزتها تفاهمات أستانه، ولتنقلب روسيّا لاحقاً على شركاء الأمس تركيّا وإيران، والبيانات الصادرة من حميميم تؤكّد هذه الحقيقة، وتذهب باتّجاه التفاهمات التي وضعتها مع أمريكا ورَسمت بموجبها خطوطاً حمراء أمام كلّ من إيران وتركيّا.

سَحب أوراق اللَّعب من تركيّا

ويبدو أنّ المشروع التركيّ في “تَدجين” هيئة تحرير الشّام وإلحاقها بمرتزقتها ضمن ما أطلقت عليه “جيش التحرير الوطنيّ السّوريّ” مُنِيَ بالفشل الذريع، بعدما أدرجت أمريكا كلّاً من الهيئة ومرتزقة أحرار الشّام على قائمة الإرهاب، رغم صدور تصريحات من قادة مرتزقة الهيئة وترحيبهم وثنائهم على الدّور التركيّ في إدلب خصوصاً وسوريّا عموماً، إلَّا أنّ أمريكا ومعها الدول الأوروبيّة وروسيّا، سحبت تلك الورقة من تركيّا، وهذا التحرّك الأمريكيّ يُوحي بِلَجمِ تركيّا وضرورة التزامها بالإملاءات الأمريكيّة، بذلك القدر من عودة الحوار بينهما حول مسائل أخرى من بينها منبج.

منبج فتحت نقاشاتٍ مُستفيضة

وفي حين يَجري الحديث عن استعدادات عسكريّة لدكّ آخر معاقل الإرهاب في إدلب وهزيمته في دير الزور، طُرحت مسألة منبج على بساط البحث في العديد من المحافل والاجتماعات، كَإحدى القضايا التي شغلت الرأي العام وحظيت باهتمام الإعلام والسّاسة على مختلف مواقعهم وانتماءاتهم.

لاشكّ أنّ منبج وموقعها على الخارطة السياسيّة السّوريّة، تُعدُّ قضيّةً ساخنةً وكلّ العيون تَرنو إليها، وفتحت معها نقاشات مستفيضة تتعلّق بالأوضاع في عفرين ومناطق الشهباء، وكذلك مستقبل وجود الاحتلال التركيّ فيها.

أمريكا تُحاولُ أن تُمسك العصا من المنتصف؛ بإرضاء كلّ من حليفتها الإستراتيجيّة تركيّا، وشريكها في التحالف الدّوليّ لمكافحة الإرهاب؛ قوّات سوريّا الديمقراطيّة، ويبدو أنّها لا تنوي خسارة أيّ منهما.

ضبابيّة في الشَّرح الأمريكيّ لخارطة الطريق

زيارة وفد من المعارضة المحسوبة على تركيّا بقيادة عبيدة نحّاس، واجتماعه مع الإدارة المدنيّة في منبج وحزب سوريّا المستقبل، خُطوةٌ لكسر جدار عدم الثقة بين الطرفين، واعترافٌ بالإدارة، رغم اختلاف التوجّهات والمواقف، وهي بكلّ الأحوال لا يُمكنها أن تكون ثغرةً لتتسلُل منها تركيّا وتضرب الأمن والاستقرار في منبج، حيث تَبعتها زيارةٌ سريعة لوفد أمريكيّ ضمّ مبعوث الرئيس الأمريكيّ (بريت ماكغورك)، وبعض المسؤولين الآخرين، لشرح تفاصيل التفاهم (الأمريكيّ – التركيّ) حول منبج.

ورغم الضّبابيّة في الشرح الأمريكيّ الصادر من الوفد وكذلك من وزارة الخارجيّة الأمريكيّة، إلا أنّها – أي أمريكا – مُرغمةٌ على أخذ هواجس الإدارة المدنيّة ومجلسها العسكريّ بعين الاعتبار، كون تجربتها خلال عامين تقريباً؛ أثبتت للقاصي والداني أنّها النموذج الأمثل لإدارة المنطقة، وحافظت على أمنها واستقرارها، وفتحت المجال أمام ازدهارها وتنوّع تمثيلها وإدارتها لتضمّ كافة مكوّنات المدينة، في ظلّ العلاقات السائدة التي تحكمها العشائريّة والنزعة القومويّة، وهي في هذا تنزع باتّجاه إشراك أطراف من المعارضة التي ترعاها تركيّا في صفوف الإدارة، وبالشكل الذي تأسّست عليه وعملت وُفقهُ، دون تعديل على رؤيتها وآفاقها المستقبليّة وهيكليّتها، إلى جانب انتشار قوّات تركيّة “رمزيّة” في مناطق الفصل بين قوّات مجلس منبج العسكريّ ومرتزقة درع الفرات بجانب القوّات الأمريكيّة والفرنسيّة والتي ستلحقها قوّات إيطاليّة أيضاً.

الرُّؤية الأمريكيّة – الرّوسيّة لعفرين

التصريحات الصادرة من المسؤولين الأمريكيين – العسكريين منهم والسياسيين – تدلّ بكلّ وضوحٍ على استمرارهم في الحفاظ على ذات الوتيرة من التعاون والعلاقات مع قوّات سوريّا الديمقراطيّة، ما ينعكس على الأرض في تبادل المصالح بينهما، سياسيّاً وعسكريّاً، وأولى القضايا التي وضعتها قسد نصب أعينها وكإحدى مهامها العاجلة؛ تحرير عفرين من الاحتلال التركيّ وعودة الأوضاع إلى ما قبل التاسع عشر من كانون الثاني المنصرم، والتسوية التي وضعتها أمريكا نُصب أعينها في منبج وتنسحب على عفرين أيضاً، يبدو أنّها تأتي في إطار مشروعٍ شامل، مسرحُهُ مُجمل جغرافيّة روج آفا وشمال سوريّا، حيث من المتوقّع أن تسير أمريكا، ومعها روسيّا، باتّجاه تسوية تُرضي قوّات سوريّا الديمقراطيّة وفيدراليّة شمال سوريّا، من خلال عودة أهالي عفرين المهجّرين إلى مدنهم وقراهم، وسحب كامل لقوّات الاحتلال التركيّ ومرتزقتها من مقاطعة عفرين، مقابل نشر قوّات دوليّة أو أمريكيّة على طول الشريط الحدوديّ مع تركيا، لتُبدّد بذلك المخاوف التركيّة المزعومة حيال تواجد وحدات حماية الشعب والمرأة الـ(YPG) والـ(YPJ) وتسحب منها الذريعة للتمدّد أكثر في الأراضي السّوريّة وتنهي احتلالها لها، وكلّ الاعتقاد أنّ خارطة الطريق التي تحدّثت عنها الحكومة التركيّة، هي مُجرّد أضغاثُ أحلامٍ وتتناقضُ مع ما صرّح به الأمريكان، ويبدو أنّ التصوّر والرؤية التي وضعتها أمريكا لا تُعارضها روسيّا أيضاً.

تُحاول حكومة العدالة والتنمية استثمار قضيّة منبج في الدعاية الانتخابيّة لحزبه ولأردوغان، كما أنّ تلويحها بعمليّة عسكريّة مُرتقبة في تل رفعت، إضافة للزيارات المتكرّرة التي يقوم بها المسؤولين العسكريين الأتراك لعفرين المحتلّة، ما هي إلَّا لخداع جماهيره بأنّها حقّقت نجاحات باهرة باحتلالها عفرين، ولكن مُجريات الأمور على الأرض تَدحَض هذه الأكاذيب، حتّى إنشائها قواعد عسكريّة في جبال عفرين، جرى انسحاب من بعضها، كذلك تصفية بعض قادة مرتزقته، والاقتتال اليوميّ بينهم، يُفسّر بقرب نهاية الاحتلال بكلّ إسقاطاته ومرتكزاته، ويُوحي بأنّ الأزمة التي يعيشها لا يجد لها مخرجاً.

ماذا وراء عودة المستوطنين لمناطقهم…؟؟

تتقاطع هذه الرؤية مع الوقائع الُمعاشة يوميّاً في عفرين المحتلّة، فَعودة قسمٍ لا بأسَ به من نازحي الغوطة إلى مناطقهم، رغم ممانعة قوّات الاحتلال التركيّ لهم، تدلّ على فشل مثخطّط الاحتلال في التغيير الديمغرافيّ وتثبيت الأوضاع والحفاظ عليها، فالعمليّات العسكريّة التي نفّذتها وحدات حماية الشعب والمرأة في عدد من مناطق عفرين، زرعت الخوف والهلع في صفوف المرتزقة، إلى جانب شعور المستوطنين بأنّ المنطقة غير آمنة كما صوّرها الاحتلال التركيّ ومرتزقته، وخلال يومين عادت أكثر من مائة عائلة غوطانيّة إلى مناطقها، لتُجري تسوياتٍ لأوضاعها مع النظام وتستقرّ في منازلها.

عودة العافية

يُمكنُ للمرءِ ملاحظة انعكاس نتائج العمل السياسيّ والعسكريّ الجاري على قدمٍ وساق في روج آفا وشمال سوريّا، من خلال استعادة الإدارة الذاتيّة الديمقراطيّة في مقاطعة عفرين لزمام المبادرة، بعد الانكسار وحالة الضياع التي عاشتها إبّان وبُعيد الاحتلال التركيّ، وهو ما يعني أنّ جهوداً جبّارة تبذل في سبيل نسج علاقات جديدة ومن نوع آخر، وبروحٍ مُنفتحة مع كافة الأطراف والقوى.

التصريحات الصادرة عن مجلس سوريّا الديمقراطيّة، بعد اجتماعه مع وفد المعارضة المحسوبة على النظام، والأنباء المسرّبة حول حوارٍ بدء في حميميم مع روسيّا بالتوازي مع النظام، إنّما تَصُبُّ في إطار عودة العافية للحركة السياسيّة، وقد أعلن عضو العلاقات الخارجيّة في حركة المجتمع الديمقراطيّ TEV – DEM صالح مسلم في مقابلةٍ لهُ مع إحدى الوسائل الإعلاميّة، أنّهم مُنفتحون على الحوار مع النظام، وهو ما أكّدته الرئيسة المشتركة لمجلس سوريّا الديمقراطيّة إلهام أحمد في مقالٍ لها، بأنّه لا يُمكن إنهاء الأزمة السّوريّة عبر الحلّ العسكريّ، ولا بديل للحوار الوطنيّ بين السّوريين.

تبقى كلمة الفصل في الحلّ السّوريّ للسّوريين وقواه السياسيّة والديمقراطيّة، المؤمنة بالتعايش السّلميّ بين كافة مكوّناتها، وتضع خلفها حِقبةَ الحرب بكل مآسيها وأحزانها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

_ الكاتب السياسي والإعلامي: جميل رشيد