الرئيسيةمقالاتحوار دمشق ومستقبل سوريا

حوار دمشق ومستقبل سوريا

محسن عوض الله
أكثر من ثمان سنوات مرّت على المحرقة السّوريّة، سقط خلالها مئات الآلاف من الشهداء والجرحى، فضلاً عن ملايين المهاجرين واللاجئين بالخارج.
ضحايا الثورة على الأسد فاقت بكثير ضحايا جرائم نظام الأسد قبل الثورة، بصورة أصبحت معها الثورة لعبة خاسرة، والاستمرار فيها حماقة، خاصّة في ظلّ التوافق الدّوليّ على بقاء الأسد في منصبه.
نجح الأسد بدعم روسيّ إيرانيّ، وفى ظلّ نظام عالميّ ظالم متواطئ أن يجعل من نفسه نقطة ارتكاز ينطلق منها مسار الحلّ السلميّ للأزمة، رغم أنّه أوّل من دشّن المذبحة السّوريّة وجعل من أبناء شعبه هدفاً للطيران الرّوسيّ والميليشيات الإيرانيّة.
رغم كلّ المؤاخذات على الأسد، إلا أنّه لم يعد من المنطق أو العقل إنكار وجوده، أو عدم الاعتراف بنظامه، أو اشتراط تغييره للبدء بحوار سياسيّ مع أركان نظامه.
انتهى زمن الخيارات المتعدّدة، وأصبح الاختيار رفاهية لا يملكها من يريد الخير لسوريّا وشعبها، صارت الثورة ماضٍ لابُدّ أن نتجاوزه، دفع الشهداء دماءهم ثمناً لحرّيّة فشلنا في الظفر بها، وليس من المنطق أن نسير في طريق الدم أكثر من ذلك، لن يرحل نظام الأسد ولن ترحل الأنظمة المستبِدّة بالشرق الأوسط، لم تعد الثورة تجدي في ظلّ رغبة عالميّة بدعم نظم الاستبداد والطغيان بالمنطقة.
الحوار مع النظام ربّما يكون حلّاً مقبولاً حتّى وإن كان مكروهاً لدى البعض، الحوار قد يفتح الباب للمحافظة على ما تبقّى من الأرض السّوريّة وحقناً للدماء التي تشبّعت بها واستكفت منها أرض الشّام.
أعتقد أنّ الحوار الذي بدأ بدمشق بين ممثّلي مجلس سوريّا الديمقراطيّة والنظام السّوريّ بدعوة من الأخير ربّما يمثّل تحوّلاً إيجابيّاً في مسار الحلّ السلميّ للأزمة السّوريّة، وذلك باعتبار أنّ الطرفين يمثّلان أكبر قوّتين على السّاحة السّوريّة، حيث يسيطر النظام على قرابة 60% من مساحة الأرض السّوريّة مقابل 27% لقوّات سوريّا الديمقراطيّة.
“حوار الأقوياء أو قمّة دمشق” كما يمكن وصفها، تأتي بعد أيّام قليلة من قمة هلسنكي التي عقدت مؤخّراً بين زعيمي أمريكا وروسيّا، ولا يمكن الفصل بين نتائج القمّتين، والأغلب أن تكون الأولى أحد توصيات الثانية، وذلك في ظلّ النفوذ الكبير لواشنطن وموسكو على الأطراف المشاركة بحوار دمشق.
ذهب الأكراد إلى دمشق بطلب من النظام ورعاية روسيّة وموافقة أمريكيّة، واجتمع النظام معهم بأوامر روسيّة وموافقة إيرانيّة، توافقت الإرادة وإن شئت، فقل المصالح الدّوليّة لأوّل مرّة مع المصلحة السّوريّة.
المصلحة السّوريّة التي غابت لفترات طويلة عن أطراف النزاع المسلّح، بعد أن سلّم الكثير منهم زمام أمورهم لأجهزة المخابرات الإقليميّة بصورة جعلت تلك التنظيمات جزءاً من الأزمة وليس الحلّ، سرقت بعض التنظيمات الثورة وحوّلتها لسبّوبة تتعايش منها، وانتقلت بعض الميليشيّات من فكرة الجيش الحرّ الذي رفض قتل المتظاهرين خلال 2011 إلى قتلة مأجورين لدى المخابرات التركيّة تشارك في احتلال أراضٍ سوريّة وترفع العلم التركيّ عليها والاحتفاء بذلك وكأنّهم أتراك وليس سوريين!
قمّة دمشق بين مجلس سوريّا الديمقراطيّة والنظام السّوريّ ليس فيها طرف قوي، ولا يمكن لأحد الطرفين فرض أرائه بالكامل على الآخر، فهي أشبه بقمّة هلسنكي ولكن على مستوي الداخل السّوريّ.
يدرك النظام السّوريّ جيّداً حدود ما يجب طلبه من ممثّلي سوريّا الديمقراطيّة التي أصبحت بحكم الواقع شريكاً في حكم سوريّا المستقبل بعد نجاحها في السيطرة على أكثر من 27% من مساحة الأرض السّوريّة وتطهيرها من دنس الإرهاب.
ربّما يكون التعاون وتوحيد الجهود في محاربة الإرهاب داخل سوريّا جزء من أطر التعاون المتوقّعة بين طرفي قمّة دمشق، بحيث يتمّ دمج عناصر من قوّات سوريّا الديمقراطيّة وتوّلي قيادتها العسكرية مناصب بالجيش السّوريّ.
قضيّة شكل الدّولة ونظامها تكاد تكون محسومة وفق تفاهمات دوليّة كبرى تتخطّى حدود المجتمِعين بدمشق، فبعد سنوات من الدّم والنار لم يعد من العقل أو المنطق الإبقاء على فكرة الدّولة المركزيّة ذات القبضة الحديديّة على كلّ مفاصل الحياة، كما أنّ فكرة الدّولة السّوريّة ذات القوميّة العربيّة أو المرجعيّة الإسلاميّة لا مكان لها في سوريّا المستقبل في ظلّ تنوّع المكوّنات والعرقيّات السّوريّة.
قد نرى النظام قريباً بمناطق الإدارة الذاتيّة وفق تفاهماتٍ، تمنح الإدارة صكّ الشرعيّة الدستوريّة، وتجعل من فيدراليّة الشّمال جزءاً لا يتجزّأ من “دولة سوريّا الاتّحاديّة”.
ختاماً.. الطريق أصبح واضحاً، وعلى من يريد الخير لسوريّا أن يلحق برُكب “قمّة دمشق”، شمس تركيّا أشرفت على الغروب بسوريّا، و”عنتريّات أردوغان” لم يعد لها مكان، ومن باع حلب سيبيع إدلب لا محالة.
نصيحتي للأخوّة السّوريين: ربّما تكون الثورة قد فشلت في إسقاط النظام، ولكن مازال هناك أمل في سلب سلطاته وتخفيف قبضته الحديديّة ولا سبيل لذلك دون دولة فيدراليّة اتّحاديّة.. وصدق من قال “مالا يدرك كلّه لا يترك كلّه” …