الرئيسيةمقالاتمطران المدينة

مطران المدينة

فادي عاكوم

يُحكى أنّ مُطراناً (درجة دينيّة مسيحيّة عالية) قرّر العودة إلى الجذور، من خلال قيامه برحلة في بلاد الله الواسعة مشياً على الأقدام، للتبشير بالدين وإعادة العباد إلى العبادة الحقيقيّة للربّ، فجال بين العواصم والبلدان إلى أن وصل إلى مشارف مدينة من مدن سوريّا، فجلس على مشارفها مراقباً الحركة فيها إلى أن قرّر أن تكون إحدى محطّاته الأساسيّة.

حلَّ المطران على أهالي الرّقّة، فاستقبلوه استقبالاً حارّاً، وبعضهم تُؤهّل به قبل أن يعرف شخصيّته ومهمّته، فتفاجأ المطران، إلا أنّه علم بأنّ هذه الظاهرة هي من عادات الأهالي في هذه الناحية، وتفاجأ أكثر أنّهم طلبوا منه عدم البوح بمقصده قبل مرور أيّام الضيافة بينهم.

مرّت الأيام، وإذ بمجموعة من الأهالي تطرق باب المطران، فأبلغوه بأنّهم يريدون معرفة شأنه منهم، فأفصح لهم عن مبتغاه، وكان بينهم ممّن هم من ديانته، فأطرقوا رؤوسهم وأداروا ظهورهم، فاستوقف المطران كبيرهم طالباً منه فرصة للقيام بواجبه، فقال له: “إنّ ساحات المدينة وأسواقها موجودة وهي تعجّ بالأهالي، فجرّبْ معهم فقد تحصل على مُرادِك”.

ولم يُضع المطران الوقت، فذهب فوراً إلى السّوق وبدأ بالوعظ والنصح، فلم يُعِره أيّ من أهالي المدينة الاهتمام، فجرّبَ الوعيد والتهديد، فجوبه بنفس النظرات الشائحة غير المبالية، إلى أن عاد إلى مسكنه في وسط المدينة وقرّر الاعتكاف على سطحه مراقباً الناس لمعرفة سبب فشله، وهو المعروف بالفصاحة وطلاقة اللسان.

خلال مراقبته، رأى أنّ الأهالي ورغم ضيق اليد، إلا أنّهم بحركة دائمة، يريدون إعادة بناء مدينتهم، وحراثة حقولهم، والاهتمام بحاجيّاتهم الأساسيّة، وكان معظمهم يرتاد الكنائس والجوامع، ففكّر بأنّهم قريبون من الله ويمارسون الطقوس، ويعملون، وتساءل: “أين السرّ؟”..

في اليوم التالي أتته فكرة ذهبيّة، ذهب إلى أحد المنازل المهدّمة التي كان صاحبها يحاول إزالة الركام ليُعيد بناء بيت العمر، وبدأ بمساعدته، وبدأ ينشد الأناشيد طالباً مساعدة الرجل، فسمعه المارة الذين عاونوه وعاونوا صاحب المنزل إلى أن أُزيل الركام تماماً. وفي اليوم التالي كرّر موقفه، داعياً الجميع للمساهمة والمساعدة في إعادة بناء المنزل فتمّ له ما أراد، وبني المنزل في أيّام قليلة…

كرّر المطران فعلته هذه في الحقول، والتي وبفترة وجيزة حُرثت وزُرعت ونما زرعها، وتوالت الأيّام وتوالت “المعجزات” التي يقوم بها المطران، فدبّت الحياة في المدينة بشكل لافت، فرمّم ما يمكن ترميمه، وأصلح ما يمكن إصلاحه، إلا أنّ الأمر لم يعجب الكهنة في المدينة، الذين تربّصوا له للتخلّص منه.

فوجد المطران نفسه في مأزق، ولم يكن يدري أنّ تأثير هؤلاء الكهنة أصبح شبه معدوماً، بسبب انصراف الناس عنهم للعبادة الحقيقيّة، وهي العمل والعمل ثمّ العبادة، حتّى العبادة أعادوها إلى جذورها، فلم تكن بالإجبار ولا بالإغراء الماديّ، إلى أن حاول الكهنة مهاجمة منزل المطران، فاصطدموا بالأهالي الذين حاموا عن المطران وطردوهم خارج أسوار مدينتهم…

من الواضح أنّ ما سبق سرده من وحي الخيال، لكنّه ينطبق دون أدنى شكّ على العديد من المطارنة والمدن في سوريّا، خصوصاً تلك التي تخلّصت من إجرام اللحى والقمصان السوداء، والتي لم تكن ستختفي دون دخول قوّات سوريّا الديمقراطيّة (المطران) إليها لتستطيع التخلّص من الكهنة (العصابات المسلّحة المتأسلمة الإجراميّة)، فكلّ ما يريده أهالي الرّقّة والطبقة وغيرها من المدن؛ الأمن والأمان والعودة إلى الحياة الطبيعيّة وإعادة بناء ما تدمّر وحصاد المواسم من الحقول…

فكلّ محاولات الاختراق التي تجري حالياً في الرّقّة وغيرها مصيرها الفشل دون شكّ، بسبب التفاف الأهالي حول المطران الذي أعاد لهم بريق الأمل والحياة بغدٍ مشرق وأفضل بفضل سواعدهم هم أنفسهم دون الاتّكال على الغير