الرئيسيةمقالاتمعركة الدّستور السّوريّ

معركة الدّستور السّوريّ

بقلم الكاتب السياسيّ والإعلاميّ: جميل رشيد

يُعدُّ الدّستور في حياة المجتمعات والدول الناظم الأوّل للعلاقات والضامن الوحيد للحقوق والواجبات، ويحدّد نوعيّة العلاقة بين السلطات والشعب، في إطار منظومة قانونيّة حقوقيّة متكاملة ومفصّلة، وترسم مسار تطوّر المجتمع على كافة الأصعدة؛ السياسيّة، الاقتصاديّة، الاجتماعيّة وحتّى الدينيّة نوعاً ما.

“العقد الاجتماعيّ” يسمو فوق الدّستور

تحظى الدّساتير بأهميّة بالغة في حياة المجتمعات وهي مصيرية لجهة تكوين ماهيّة أنظمة الحكم وإصدار التشريعات والقوانين، لتخلق علاقة ندّيّة وتآلفاً وانسجاماً بين الحاكم والمحكوم، وفق آليّات يوضّحها الدّستور، الذي يأخذ شرعيّته عبر إجماع شعبيّ بحيث لا يمكن الخروج عن نصوصه أو تعديله؛ إلا إذا نُسِفَ من قبل من منحوه الشرعيّة. فالدّساتير في كلّ دول العالم، يجري إعداده من قبل لجان حقوقيّة مختصّة ولها باع طويل في تطبيق القوانين والتشريعات، ومن ثمّ تخضع لاستفتاءات شعبيّة و”توافقات داخليّة” بين مختلف المكوّنات التي تتشكّل منها مجتمعاتها، وهو بهذا المعنى يكون “عقداً اجتماعيّاً” توافقيّاً. والعقد الاجتماعيّ في هذا الإطار يسمو فوق الدّستور من حيث الشرعيّة والأهليّة، على العكس، الأول – أي الدّستور – يستمدّ شرعيّته من الثاني، هذا من وجهة نظر علم الاجتماع السوسيولوجيّ وأيضاً القانون.

دساتير متعدّدة عرفها السّوريون

عرف المجتمع السّوريّ عدّة دساتير وفي مختلف مراحل نشوء الدولة السّوريّة، إذ تمّ وضع أوّل دستور للبلاد في عام 1920، نُصّبَ من خلاله “فيصل بن الحسين” ملكاً على سوريّا، وترأس اللجنة التي وضعت الدّستور آنذاك “هاشم الأتاسي” الذي يعتبر “أبو الدّستور”، لكن بعد احتلال فرنسا لسوريّا حُلّ ذلك الدّستور، إلى أن جاء دستور عام 1950 ” ليلبّي طموحات السّوريين” نوعاً ما، إلا أنّ “أديب الشيشكلي” الذي قاد انقلاباً، ألغى العمل بالدّستور السابق ووضع هو الآخر دستوراً جديداً. وبعد انقلاب حزب البعث في عام 1963 بقيت البلاد من دون دستور دائم “فراغ دستوريّ”، حتّى تمّ أقرّ دستور من قبل حافظ الأسد في عام 1971 نصّ على منح الرئيس سلطات مطلقة، واعتبرت “المادّة الثامنة” منه حزب البعث “قائداً للدولة والمجتمع”، ووقعت البلاد في قبضة حكم حزب واحد فقط.

تعديلات شكليّة في الدّستور

ظلّت البلاد تُدارُ وتُحكم من قبل ذاك الدّستور حتّى اندلاع الأزمة، حيث اضطّر النظام عام 2012 وعلى وقع الاحتجاجات الشعبيّة، إلى تعديل بعض المواد منه وخاصّة المادة الثامنة، وكذلك بعض المواد الأخرى مثل قانون تشكيل الأحزاب وما إلى ذلك، ولكنّها كانت شكليّة ولم يطال التغيير جوهر وكُنه الفقرات الأساسيّة التي تغيّر من شكل النظام وهُويّته وتُنهي استفراده بالسلطة، وكان موضع رفض الشعب السّوريّ بكافة أطيافه ومكوّناته السياسيّة، وارتدّ قسم منهم ليتمسّك بدستور عام 1950، فيما آخرون طرحوا مشروع “مسوّدة دستور” مؤقّت لفترة انتقاليّة، ريثما يتمّ وضع دستور “دائم” يكون موضع إجماع السّوريين كافة.

تشبّث بـ”الهّويّة العربيّة” للدولة

اللافت في كافة الطروحات والمشاريع التي قدّمها كلّ من النظام والمعارضة على حدّ سواء بشأن الدّستور، أنّها همّشت وأقصت مكوّنات أساسيّة في المجتمع السّوريّ من حقوقهم الأساسيّة والشرعيّة، وعلى رأسهم الكرد. فرغم أنّ المعارضة تُصرّ على الأخذ بدستور عام 1950 والعمل به والذي أقرّ اسم الدولة “الجمهوريّة السّوريّة”، إلا أنّ الجميع متشبّث بهُويّة الدولة “العربيّة” عبر فرض تسمية وحيدة “الجمهوريّة العربيّة السّوريّة”، وتعتبر أنّ هُويّة كلّ مواطني الدولة هي “العربيّة”، وهذا ما يمكن أن يكون له تداعيات سلبيّة قد تشعل من جديد صراعات أخرى ربّما تمتدّ لعقود، ونحن بغنى عنها الآن.

حقوق الكرد “مواد فوق دستوريّة”

أقرّ في مؤتمر القاهرة الأوّل الذي عقد في عام 2014 وثيقة من قبل كافة أعضاء المؤتمر، على أنّ حقوق الشعب الكرديّ في سوريّا، هي مواد “فوق دستوريّة”، أي يجب إدراجها في أيّ دستور قادم لسوريّا، دون نقاش ولا تخضع للاستفتاء، ولكنّها – أي الوثيقة – رُفِضَتْ من قبل البعض، ما يعني العودة إلى مربّع الإنكار والإقصاء مرّة أخرى. والأمر ذاته يسري على المكوّنات الأخرى، كالسريان، الآشوريين…

والتعلّق بفزّاعة “أنّ ورود أيّ نصّ صريح في الدّستور القادم يُقرّ بحقوق الكرد أو أيّ مكون آخر مقدّمة لتقسيم البلاد”، ما هي إلا تهرّب من “أولويّات الاستحقاق الدّستوريّ” وادّعاء فارغ يرسّخ سيطرة العقليّة والذهنيّة العنصريّة والشوفينيّة ضمن الدّستور.

دستور “دولة احتلال”

بعد التدخّل العسكريّ الرّوسيّ في سوريّا عام 2015 ، وتثبيتها لقدمها، شرعت إلى إعداد دستور لسوريّا، وفق مقاسها وليتوافق مع مصالحها، الأمر الذي كان موضع رفض واستهجان من قبل كافة أطراف المعارضة والشعب السّوريّ، واعتبروه بمثابة دستور “دولة احتلال” لا أكثر. إلّا أنّ المحاولات الرّوسيّة في اختيار دستور للبلاد لم تتوقّف، بل تواصلت عبر اجتماعات أستانه، لتنزع إلى تحوير وتعديل الصيغة والشكليّة التي طرحت فيها الدّستور السابق وكذلك الأسلوب والأداء، وتفرض على المعارضة والنظام وبعض الدول الإقليميّة فكرة إعداد دستور آخر، وذلك أثناء انعقاد ما سمي ” بمؤتمر سوتشي” في 30 كانون الثاني/ يناير المنصرم، ولتقنع الأمم المتّحدة ومبعوثها لحلّ الأزمة السّوريّة ستيفان ديمستورا، بضرورة تشكيل لجنة لإعداد دستور جديد تضمّ أعضاء من النظام والمعارضة، على أن يكون لكلّ منهما الثلث، والثلث الأخير يعيّنه المبعوث الدّوليّ من شخصيّات مستقلّة.

ما سرّ ورود أسماء كرديّة في قائمة هيئة التفاوض..؟؟

القوائم التي قُدّمت إلى ديمستورا /النظام (50 عضواً) والمعارضة (50 عضواً)/ من المفترض أن يختار ديمستورا منها أعضاء في اللجنة الدّستوريّة. لكن ما يجب التوقّف عنده مليّاً هو كيف ضمّت القائمة التي قدّمتها الهيئة العليا للتفاوض اسمي كلّ من “إلهام أحمد” الرئيسة المشتركة لمجلس سوريّا الديمقراطيّة و”عبد الكريم عمر” رئيس هيئة الخارجيّة في مقاطعة الجزيرة..؟؟ ورغم حالة العداء السياسيّ والقطيعة التامّة بين الطرفين – هيئة التفاوض ومجلس سوريّا الديمقراطيّة – لا نعلم كيف ورد الاسمان في القائمة، وهل هي قائمة وهميّة أم حقيقيّة، ولم يرد أيّ تأكيد، لا من طرف الهيئة العليا للتفاوض أو مجلس سوريّا الديمقراطيّة حول حقيقة هذا الموضوع. لكن الثابت أنّ التطوّرات في سوريّا توحي بأنّ التوافقات تجري على كافة الصعد والمستويات، والضغوطات التي تمارسها كلّ من أمريكا وروسيّا على كافة الأطراف، كفيلة بأن تغيّر من رؤيتها ومواقفها، وخاصّة الإئتلاف السّوريّ الذي هيمنت عليه جماعة الإخوان المسلمين، وبات رهينة في يد تركيّا والسعوديّة، وبات الفكاك من شباكهما يستدعي مراجعة شاملة لكافة مواقفها التي اتّخذتها حيال أطراف عديدة وخاصّة الكرد ومجلس سوريّا الديمقراطيّة، كما أنّه من جانب آخر يمكن قراءة المسألة من زاوية أنّ مجلس سوريّا الديمقراطيّة أصبح رقماً صعباً لا يمكن تجاوزه في كافة معادلات حلّ الأزمة السّوريّة، إن كان من طرف النظام أو المعارضة، والتصريحات الصادرة من (مسد) باستعداده للحوار والتفاوض مع كافة الأطراف في سبيل التوصّل إلى تفاهمات وصيغ حلّ وفق المحدّدات الوطنيّة السّوريّة؛ تجعله نقطة استقطاب لكافة الأطراف التي مازالت تغرّد خارج السرب الوطنيّ السّوريّ.

مخاوف من تكرار “طائف لبنان” في سوريّا

تَهرّبَ النظام في البداية من محاولات تغيير الدّستور، إلا أنّ الضغوط التي مورست عليه وعلى المعارضة من قبل روسيّا، أجبرت الطرفين للقبول بمناقشة ” سلّة الدّستور” وتقديمها على باقي السلال الأربعة التي طرحها ديمستورا في مؤتمر جنيف. لكن يبدو أنّ المحاصصة ستغلب على الدّستور، رغم أنّه قد يكون انتقاليّاً أو مجرّد “مبادئ دستوريّة” تمهّد لفترة حكم انتقاليّ، ريثما يتمّ وضع دستور دائم عبر استفتاء شعبيّ شامل، وهو ما ينذر بتكرار نموذج “طائف لبنان” في سوريّا، من خلال إقحام الطائفيّة والمذهبيّة في ثناياه، ليُضعِف معه الانتماء الوطنيّ ويُلجم التطوّرات في اتّجاه التحوّل الديمقراطيّ. فالكتل السياسيّة المشاركة في صياغته، جلّها تقيم خارج سوريّا، الهيئة العليا للتفاوض (والتي تضمّ هيئة التنسيق الوطنيّة)، منصّة موسكو، منصّة القاهرة، إضافة إلى المسلّحين والمستقلّين، ما يعزّز من شكوك واحتماليّة فرض الإملاءات الخارجيّة عليها أيضاً، لتغدو روح الدّستور غريبة لا نكهة سوريّة فيه.

العقد الاجتماعيّ لفيدراليّة شمال سوريّا وأهميّته

العقد الاجتماعيّ الذي طرحته فيدراليّة شمال سوريّا، يُعدّ نموذجاً مثاليّاً ومدخلاً لدستور ديمقراطيّ لسوريّا، ويمكن البناء عليه في الانطلاق نحو سوريّا تعدّدية لا مركزيّة اتّحاديّة، ويؤسّس لعلاقات تكافؤيّة بين أفراد كافة المكوّنات المجتمعيّة السّوريّة، ويزيد من تفاعلها ولحمتها الوطنيّة، لتتجاوز معها كافة الأحقاد والضغائن التي رسّختها الأزمة. فالحالة المُعاشة في شمال سوريّا تضعنا أمام وقائع لا يمكن تجاوزها، كونها حقّقت مستواً كبيراً من الانسجام والتآلف بين مختلف الشرائح وأعادت الاعتبار لها، وخاصّة المرأة التي كانت مغبونة طيلة التاريخ، وهو ما يُعدّ ثورة حقيقيّة لجهة التشريع وعصرنة الدساتير والقوانين.

أيّ دستور يهمّش الآخرين؛ منقوص ومطعون في شرعيّته

لا يمكن لأيّ دستور في سوريّا أن يعبّر عن إرادة السّوريين وطموحاتهم، إذا لم يشارك كافة أبناء سوريّا في كتابته، دون شروط وإملاءات من الخارج، لأنّه المدخل والمخرج الوحيد للخروج من هذه الأزمة، وأيّ استبعاد ولأيّ مكوّن مهما كان صغيراً، يجعل من ذاك الدّستور منقوصاً ومطعوناً في شرعيّته وديمقراطيّته، ويُلزم ألّا يُترك فيه أيّ ثغرة يمكن النفاذ منها للعبث بوحدة سوريّا أو يفرض هيمنة حزب أو قوميّة أو طائفة على الدّولة والمجتمع، بل عليه أن يفسح مجالاً أوسع أمام كافة المكوّنات لتساهم في بناء هذا الوطن، بعد الحرب التي دمّرت كلّ شيء حيّ فيه.