الرئيسيةمقالاتأنا وأردوغان والقسّ الأمريكيّ

أنا وأردوغان والقسّ الأمريكيّ

محسن عوض الله

 “من السهل أن تخدع بعض الناس لبعض الوقت؛ ولكن من المستحيل أن تخدع كلّ الناس كلّ الوقت” حكمة تاريخيّة سطرها الأجداد وتوارثتها الأجيال عبر تاريخ البشريّة بمختلف اللغات. وتمثل تلك الحكمة قاعدة حاكمة لقواعد التعامل الإنسانيّ والسياسيّ، ولا يظنّ عاقلٌ أنّه قادرٌ على انتهاكها مهما بلغت مستويات ذكائه ودهائه السياسيّ والاجتماعيّ.

اعترف أنّي كنت واحداً من ملايين العرب والمسلمين المنبهرين بالنظام التركي ورئيسه رجب طيّب أردوغان لدرجة أنّي كنت أعتبره مثالاً للإسلام الليبرالي الذي يمكن أن يكون وجهاً مشرّفاً للإسلام في ظلّ عالمٍ مريضٍ بالإسلاموفوبيا.

نجح أردوغان أن يخدعني والملايين من أبناء جيلي العرب لبعض الوقت، ولكنّه وفقاً للقاعدة التاريخيًة فشل أن يخدعني كلّ الوقت.

قادتني المعرفة والتخصّص في القضيّة الكرديّة والشؤون السوريّة والعراقيّة إلى معرفة حجم الجرائم التركيّة تجاه شعوبٍ مسالمة، وأدركت حجم الأكاذيب والزيف التركي في التعاطي مع الأزمة السوريّة والكرديّة خاصّة، واكتشفت دور وعلاقة أنقرة بجماعات المعارضة التي تُهين الإسلام برفع شعاراته مثل داعش والنصرة وغيرها من التنظيمات.

كان التدخّل التركي في سوريا، واحتلال عفرين والجرائم التي ارتكبها الجيش التركي، والميليشيّات الموالية له نقطة فاصلة حسم بها أردوغان قناعاتي تجاه الجماعات المتأسلمة وكفيلها التركي.  وجاءت جريمة التمثيل القذرة بجثة الشهيدة “أمينة عمر” الشهيرة بـ”بارين كوباني” لتضع كلّ الجماعات الإرهابيّة وكفيلها التركي في قاع سلّة قمامة التّاريخ. ولا يقلّ عنهم دناءةً سوى من دافع أو برّر تلك الجريمة.

كان لديّ يقينٌ أنّ هذه الجرائم لا يمكن أن تمرّ دون عقاب، وأنّ الإله الحاكم المتحكّم في هذا الكون لا يرضى بهذا الظلم، ولابدّ أن ينال الظالم عقابه حتّى لو تأخّر العقاب فإنّه آتٍ لا محالة.

دخلت في سجالاتٍ كثيرةٍ مع أصدقاء كرد ممن دفعتهم جرائم أردوغان بحقّ أهلهم في عفرين للتساؤل عن سرّ الصمت الإلهيّ عن هذه الجرائم التركيّة، وكان جوابي دوماً أنّ الله يسمع ويرى، ولابدّ أن ينتهي يوماً يدفع الظالم جزاء ما اقترفت يداه.

مقدّمة قد يراها البعض طويلة ومملّة ـ ولكنّي أراها ضروريّة لربط الأحداث بسياقها التاريخيّ، وقراءة التطوّرات بتسلسلها الزمنيّ وفق قواعد التاريخ وسنن الكون.

 جاءت العقوبات الأمريكيّة على وزيرين بحكومة أردوغان لتعمّق أزمة السلطان العثمانيّ الذي يبدو أنّ أيام حسابه قد اقتربت، وفاتورة جرائمه قد آن أوان سدادها.

يعيش أردوغان أزمة حقيقة لا يمكن اختصارها في توتّر علاقاته بالولايات المتّحدة الأمريكيّة على خلفيّة قضيّة القسّ الأمريكيّ “آندرو برونسون” الذي اعتقلته أنقرة منذ عام ونصف بدعوى دعم الإرهاب. ويخضع حاليّاً للإقامة الجبريّة.

 أزمة تركيّا أعمق من أزمة القسّ، وإن كانت تبدو مرتبطة به، فالعلاقات مع واشنطن وصلت لمرحلة فرض العقوبات الاقتصاديّة على وزيريّ العدل والداخليّة بحكومة أردوغان، ومنعهم من دخول أمريكا، فضلاً عن تعليق واشنطن بيع صفقة طائرات اف 35 لأنقرة، ما دفع الأخيرة للتهديد باللجوء للتحكيم الدوليّ. ويبدو أنّ الجانب الأمريكيّ سيمضي في فرض عقوباتٍ أكثر تجاه تركيّا في ظلّ تصريحات “مايك بنس” نائب ترامب بأنّ العقوبات ستستمرّ حتّى الإفراج عن القسّ، مؤكّداً أنّ عقوباتٍ اقتصاديّة ثقيلة تنتظر أنقرة.

بعيداً عن العقوبات الاقتصاديّة، تمتلك واشنطن أوراق ضغطٍ كفيلة بتركيع تركيا، ربّما يكون أهمّها على الإطلاق علاقتها بوحدات حماية الشعب، وقوّات سوريا الديمقراطيّة التي تصنّفها تركيا كتنظيمٍ إرهابيّ، في حين يعتبرها العالم جزءً من التحالف الدوليّ لمكافحة الإرهاب الذي ترعاه تركيا وتموّله بإدلب.

في ظلّ هذه الأجواء المتوتّرة مع واشنطن، وهو أمرٌ ليس بجديد، كان الطبيعيّ والمعتاد أن يلجأ أردوغان للدبّ الروسيّ، ولكن هذه المرة الأمر مختلف، فمستوى الخلاف بين واشنطن وموسكو الذين طالما استغلّه أردوغان تمّ تجاوزه بنسبةٍ كبيرةٍ، وخاصّة بعد قمّة هلسنكي.  كما أنّ الدبّ الروسيّ كان راعياً لاجتماعات الكرد مع حكومة دمشق، ما يشير لتحسّنٍ في العلاقات الروسيّة الكرديّة، وهو أمرٌ يزعج أردوغان بلا شك.

فجأة وجد أردوغان نفسه وحيداً، فلا العم سام يداعبه، ولا الدبّ القطبيّ يحتضنه، حتّى فزّاعة الانفصال الكرديّ التي طالما تاجر بها أنهتها لقاءات مجلس سوريا الديمقراطيّة بحكومة دمشق برعايةٍ أمريكيّةٍ روسيّة، ونجح الكرد في تقديم أنفسهم للعالم كأصحاب مشروعٍ ديمقراطيّ قادرٍ على حلّ الأزمة السوريّة التي أجهدت العالم أجمع.  كما أنّ الميليشيّات الإرهابيّة في إدلب التي تديرها وتستعملها المخابرات التركيّة قد تمّت قراءة الفاتحة على روحها، وتستعدّ قوّات النظام لدخول المدينة بموافقةٍ روسيّةٍ أمريكيّة.

خسر أردوغان حلفاءه، وفشلت الخطة التركيّة التي طالما نجحت في استغلال تناقض المصالح الدوليّة لتحقيق مكاسب؛ وانقلب السحر على الساحر؛ لحق وزراء أمن أردوغان بضبّاط حراسته في قائمة المطلوبين لأمريكا والمستهدفين بعقوباتها؛ وانتهى دور أردوغان في سوريا، وحان وقت التخلّص من ميليشيّاته الإرهابيّة بعد أن استنفدت القوى الدوليّة أغراضها منهم.  وجاء توقيت الإعلان عن تقرير العفو الدوليّة حول “عفرين” كرسالةٍ لا تخطئها عين مراقب، وخاصّة أنّه صدر بعد أقل من 24 ساعة من العقوبات الأمريكيّة بحقّ تركيا. وجاء في التقرير الذي صدر اليوم أنّ تركيا قوّة احتلالٍ مسؤولة عمّا ترتكبه الميليشيّات السوريّة من جرائم بحقّ أهالي مدينة الزيتون، وندّد التقرير بعمليّات السلب والنهب والتعذيب وانتهاك المدارس التي ترتكبها الميليشيّات المدعومة من أنقرة في “عفرين”.

ختاماً..  ربّما تشهد الأيّام القادمة تراجع تركيا في أزمة القسّ، والسماح له بالعودة لواشنطن، وما قد يتبع ذلك من رفع العقوبات التي تطرّقنا لها، وعودة العلاقات بمستوى معيّن مع العم سام. كما من المحتمل أن يسعى أردوغان للمبادرة بتقديم إدلب كقربانٍ لتحسين علاقاته مع الدبّ الروسيّ. ولكن في كلّ الأحوال أيّام تركيا في سوريا باتت معدودة، ونفوذها في الشمال إلى زوال، وعودة “عفرين” ربّما أصبحت مسألة وقتٍ في ظلّ الوضع الجديد الذي أفرزته قمة هلسنكي واجتماعات “مسد” مع دمشق.