الرئيسيةمقالاتالإنسانية دين وقومية

الإنسانية دين وقومية

محسن عوض الله

كثيراً ما يسألني أصدقائي المصريين مالك والأكراد، هل أصبحت كرديا؟، ويتندر أحدهم ساخراً بندائي يا كردي! وهو أمر بالتأكيد لا يزعجني، ولا أجد غضاضة أن أكون عربياً أو كردياً أو حتى أمازيغياً.

لا أعتقد أن قومية الإنسان وعرقه قد تكون مصدر فخر أو قدح، فالأصل هو الإنسان وقيمته وما قدمه، وكما قال الشاعر ” ليسَ الفَتَى مَنْ يقولُ كان أبي إن الفتى من يقول ها أنا ذا” .

أعترف أني تعرضت لحالة من التطور الفكري خلال السنوات القليلة الماضية تغيرت خلالها الكثير من معتقداتي وأرائي تجاه الكثير من القضايا، ولا أجد غضاضة من الاعتراف أني مدين بشكر خاص للأكراد وقضيتهم الشائكة، فاهتمامي بالقضية الكردية فتح لي بابا للعلم والاطلاع ما كنت لأطرقه لولاهم، فتح الأكراد نافذة نور في عقلي إضاءات جزء كان مظلماً بأفكار ومعتقدات أثبتت الأيام كذبها، وفضحت الأحداث تزويرها.

أكثر ما شدني للقضية الكردية محاولة أن أكون صاحب قلم قد يساهم ولو بشكل ضئيل في نصرة أمة مظلومة، يجهل غالبية المصريين والعرب مأساتها، أمة صاحبة فضل وتاريخ مشرف على المسلمين ورغم ذلك تثأر حولها الشبهات والأكاذيب .

دفعني الاهتمام بالكرد للنبش في تاريخهم، والبحث في أغوارهم وهو تاريخ به الكثير من الصفحات المضيئة ولكنه لا يخلو من القهر والذل والصراعات شأنهم في ذلك شأن شعوب الشرق الأوسط ولكن الفرق الوحيد أن تلك الشعوب صنع لها الغرب دول وأنظمة، ولكنه بخل على الكرد بذلك ليجعل من مآسيهم عرض مستمر في مسلسل طويل عابر للعصور والأزمان.

الغريب أن الكرد رغم كل ما تعرضوا من مجازر ومذابح لم يلجأوا لفكرة المظلومية لابتزاز العالم، وكسب التعاطف الدولي، كما فعل اليهود في الهولوكست، والأرمن في مذابح العثمانيين، وذلك على الرغم من أن ضحايا المذابح الكردية في العصر الحديث ثابتة ولا تقبل الشك، على العكس من هولوكست اليهود الذي كذبه كثير من المفكرين الغربيين.

وعلى الرغم من كل ما تعرض له الكرد إلا أن لديهم قدرة غريبة على التسامح التي تصل لدرجة المثالية في كثير من الأحيان، أتذكر أول لقاء مباشر مع صديق كردي بالقاهرة جاء في زيارة عمله التقيته بعد فترة تواصل ليست طويلة مع أصدقائي كثر عبر مواقع التواصل الاجتماعي، كان الحديث حول معارك قوات سوريا الديمقراطية ضد داعش، كان السؤال الذي يدور في ذهني من أين أتيتم بهذه القوة والشجاعة لتواجهوا تنظيم جهادي راديكالي يريدون الموت وأنتم تعشقون الحياة ! ، هم يقاتلون بشجاعة من أجل الحور العين، وأنتم من أجل ماذا تقاتلون بهذه البسالة ؟

ما هذه المثالية المفرطة، هل هي شجاعة أم مثالية بلهاء؟

جاوبني صديقي برسالة لا يمكن أن أنساها، نحن نقاتل لنعيش، قد نكون مثاليون ولكننا أيضاً واقعيون، لو لم نقاتل داعش لقتلتنا، الفرق بنينا وبين داعش إننا نحارب من أجل حياة أفضل، وهم يقاتلون من أجل موتة أجمل!

وعلى الرغم مما تعرض له الكرد من اضطهاد وقهر وتعذيب، إلا أنهم مستعدون دائماً لطي صفحة الماضي، والبدء من جديد لصناعة مستقبل مشترك يتجاوز حدود الأعراق والقوميات.

يتمتع الكرد دون غيرهم من شعوب الشرق الأوسط بلمحة إنسانية، تجمع لا تفرق، لا تعتبر القومية دين أو مذهب وعقيدة، وقليلا ما نرى تطرف في تعظيم القومية الكردية عكس ما نري من بعض العرب أو الفرس والترك.

 بالتأكيد قد يحدث شذوذ عن تلك القاعدة، فلكل قاعدة شواذ ولكن الأصل ألا تجد تعظيماً في القومية الكردية إلا نتاج أو كرد فعل على تعظيم قومية أخرى، والسعي لطمس الهوية الكردية، وإلغاء فكرة التعايش الإنساني.

تحتاج شعوب الشرق الأوسط للتحلي بصفة الإنسانية التي تترفع عن القوميات، نحتاج أن نكون بشر نؤمن بالإنسانية ونتعبد بها كدين ومذهب وقومية ومرجعية، فالقرآن الذي خصص سورة كاملة باسم الإنسان دون أن يكون هناك سورة باسم المسلم، كما أذاب رسول الإسلام محمد صلي الله عليه وسلم الفوارق بين القوميات بقوله في حديث ما معناه  ” كلكم لأدم وأدم من تراب لا فرق بين عربي أو أعجمي إلا بالتقوي” .

المسيحية كذلك لم تفرق بين قومية وأخرى ففي إنجيل بطرس ” أدركت حقاً أن الله لا يراعي ظاهر الناس فمن أتقاه من أية أمة كانت وعمل البركان عنده مرضياً “

لا ميزة لأحد، ولا فضل لعربي على أعجمي، ولا قومية على أخرى، كونك عربي لا يعني أنك ذو أفضلية، ولا يمنحك صكوك الغفران، وعرقيتك الكردية لا تمنحك شرفاً، ولا تحط من قيمتك، كلنا واحد، كلنا بشر، الطوفان لن يفرق بين محمد العربي، وآرهان الكردي، أو إسحاق السرياني، لا حل سوى أن نتماسك ونترابط، ونشد عضد بعض قبل أن تحدث الكارثة، وساعتها لن ينفع البكاء على الإنسانية المفقودة …