الرئيسيةمقالاتالانفصال.. وورقة التّوت الأخيرة

الانفصال.. وورقة التّوت الأخيرة

حسين العثمان

كثرت في الآونة الأخيرة السّجالات السياسيّة والتحليلات المعمّقة والمؤدلجة حول اتّفاق إدلب بين مرحّب وآخر رافضٍ.

وتزامن ذلك كلّه مع السير في رُكُبِ التشكيلة الدّستوريّة لمحاولة رسم خارطة طريق لإنهاء هذا الصراع الدّمويّ الذي يعتبر من أفظع الحروب التي ارتكبت في العصر الحديث.

في مقالتي اليوم، سأبتعد عن لغة الدّبلوماسيّة والرّتابة السياسيّة، لأترك العنان لوطنيّتي وعاطفتي وهُويّتي أن تعبّر عن مكنوناتها وتُفصِح عن ذاتها.

سأخرج عن إطار المقالات؛ لأكون مواطناً سوريّاً يمثّل شريحة من أبناء المجتمع السّوريّ وجزءاً من نسيجه المتنوّع بكلّ مكوّناته وأطيافه وأعراقه.

في ظلّ الأوضاع الرّاهنة وما جرى ويجري على السّاحة السّوريّة، نجد أنّ هناك دائماً تبادلاً للأدوار ضمن مساحات معيّنة ومخصّصة، ومناطق للنفوذ تتغيّر حسب المصالح الدّوليّة والتقاطعات الإقليميّة.

ويبقى الشعب السّوريّ أسير هذه المخطّطات التي تحوّله لوقود للاشتعال تارّة، ولشمّاعة يتباكى عليها القاصي والداني تحت ذريعة حقوق الإنسان، تارّة أخرى.

وضمن هذه المحاكاة، يُقارِنُ السّوريّون جميعهم بين المشاريع التي يحاول كلّ طرفٍ من خلالها إثبات أنّه صاحبَ المشروعِ الوطنّيّ المُشافي والمُخلّص لآهاتهم وويلاتهم وإنهاء شقائهم وتمزّقهم.

يبدو أنّ الاتّفاق الأخير بين تركيّا وروسيّا لن يستمرّ طويلاً، وسيكون طريقه الفشل الذريع، لأسباب جمّة لست بصدد ذكرها بقدر ما راعني وشدّني مشروع الجماعات الإسلامويّة السياسيّة المتمثّلة بالإخوان، الساعي بالمطالبة بتقطيع أواصر الوطن وتمزيقه وضمّه إلى الحديقة الخلفيّة للدّولة التركيّة.

فالانفصال هو ما يحلمون به ويَدْعون إليه في ظلّ غياب للوعي والإدراك الوطنيّ، والتمسّك بأدنى جزئيّات مفهوميّ الوطنيّة والمواطنة.

من يقوم برفع أعلام دولة محتلّة على أراضيه ويتباهى بها، سيرتضي أن يكون خادماً ذليلاً “وديّوثاً” يُباع ويُشرى في سوق النّخاسة السياسيّ.

ولابدّ أنّه يمارس “دعارة سياسيّة” تكشف عورات أفكارهم وعقولهم المقيّدة بسلاسل العبوديّة والذلّ والهوان، هؤلاء لا يحملون أيّ مشروع، إنّما يَسعَون إلى الانفصال في وهمٍ يحاول الأتراك طمسه في عقولهم.

وعلى فكرة هؤلاء هم ذاتهم الذين اتّهموا (قسد)، وخصوصاً الأكراد، بأنّهم “انفصاليّون” عندما حرّروا ما يقارب ثلث مساحة سوريّا من داعش.

لكن ما رأيناه وشاهده كلّ العالم ولمسه السّوريّون أنّ مشروع (مسد) هو لضمان وحدة سوريّا جغرافيّاً من خلال طرح مفهوم “الفدرلة واللامركزيّة السياسيّة” الذي فهمه صغار السياسة على أنّه بمثابة انفصال عن الوطن السّوريّ.

والكلّ يدرك أنّ أمريكا تدعم (قسد) وتساهم قي تقديم الدّعم العسكريّ واللوجستيّ لقوّات سوريّا الديمقراطيّة.

في المقابل..

هل قامت (قسد) أو أيّ فصيل ينضوي ضمن أقسامها وألويتها أو حتّى أيّ مواطن برفع علم أمريكا والتباهي به في السّاحات العامّة، كما حدث في مناطق سيطرة الاحتلال التركيّ، طوال هذه السنين لم يكن هناك أيّ مشهد في مناطق سيطرة الأكراد كالذي شاهدناه في إدلب وأريافها وعفرين – بعد احتلالها من قبل تركيّا – وجرابلس والباب من دناءة وخسّة للجماعات المرتهِنة والمرتزقة بأبشع صور العمالة للمحتلّ التركيّ.

ليس هذا فحسب…

إنّما نجد هناك تشويهاً ممنهجاً في طمس معالم المناطق المحتلّة، وعفرين خير دليل على ذلك.

ووصلت الوقاحة بتلك الجماعات إلى رفع الأعلام التركيّة فوق الدّوائر والمؤسّسات العامة كتكريس لواقع يطمح هؤلاء مع مشغّليهم لتكريسه وجعله مُستداماً.

إنّ الانسجام في توافق الرؤى بين الجماعات الإخوانيّة والحكومة الأردوغانيّة؛ يفضح عورتهم ومخطّطاتهم من خلال سقوط ورقة التّوت الأخيرة.

وبات السّوريون يدركون جيّداً من هم أصحاب الأفكار الانفصاليّة، وسيُحاسب التاريخ من كان سنداً لمحتلّ ضدّ أهله وشعبه.