الرئيسيةمقالاتجعلوني كردياً !

جعلوني كردياً !

محسن عوض الله

تمثل فكرة القومية والأيدلوجية أحد آفات الشرق الأوسط، ولا يتوقف الصراع القومي الأيديولوجي على عوام البشر بل يتعداها لطبقة النخبة من المثقفين والسياسيين.

هذه النخبة من المثقفين تلجأ فيما بينهم لما يعرف بسياسة التصنيف والتمييز، بمعني أن كل شخص، لابد أن يكون له اتجاه وفكر ينطلق من قوميته أو دينه وأيدولوجياته وكل كلمة أو فكرة يطرحها هذا الشخص يجب النظر لها في سياق قومي أيديلوجي فقط، وليس مقبولاً لدي هذه النخبة أن يتحدث كاتب أو مثقف عن فئة أو يطرح قضية ما دون أن يكون له علاقة بها أو مصلحة معها.

أصبح التصنيف والتمييز الفئوي قاعدة ثابتة بالشرق الأوسط، الجميع يرفع شعار من ليس معنا فهو ضدنا، يبحث أحدهم في مقالاتك ليضعك في خانة المعارضين، ويستدل آخر بكلماتك ليصنفك فى عداد المؤيدين، الكل يريدك معه، تدافع عن سياساته، تردد صدى صوته، تصفق لكلماته، تطوف حول كعبته!

 فوجئت الأسبوع الماضي بصحيفة عربية كبري تنشر دراسة لباحث كبير ” أعزه وأقدره جداً” حول مستقبل الوضع بإدلب تستشهد بإحدى كتاباتي حول احتمالية لجوء النظام التركي لضم إدلب للسيادة التركية على غرار ما حدث في لواء إسكندرونة في ثلاثينات القرن الماضي، وهي فرضية وضعتها ضمن عدة سيناريوهات لمستقبل الأزمة السورية.

سرني جداً استعانة الكاتب كبير السن والمقام بكلماتي لكني فوجئت به وهو الصديق والأستاذ يعقب على كلماتي بالإشارة لكوني صحفي مصري ذوي جذور كردية ما يجعلني أحمل عداءً خاصاً تجاه أردوغان نظراً لممارساته تجاه أبناء قومي من كرد تركيا وهو ما يجعلني غير محايد فى تناول القضايا الخاصة بتركيا بحسب قوله!!

أصابتني هذا الجملة بنوبة من الضحك الهستيري من هذا التصنيف الجديد الذي ينضم لقائمة من التهم والتصنيفات التي لاحقتني خلال فترة عملي الصحفي، وهي قائمة تطول وتتنوع ما بين الإخواني ثم الإنقلابي والعلماني وأحياناً الإيراني وليس أخيراً الكردي!!

بالتأكيد أنا لا أعتبر القومية الكردية تهمة أو مسبة فى حقي، فالكرد هم أعز اًصدقائي ويسعدني لو اكتشفت أني كردي الأصل، ولكني كما أعلم ولدت لأسرة عربية أو هكذا أخبروني.

ليس للقومية قيمة أو أهمية تذكر فى تفكيري، ولا أبني رؤيتي أو أنظر للأمور من ذلك المفهوم الضيق، ولا يهمني من أنا، عربياً أم كردياً أو تركمانياً أو فارسياً، ففي النهاية خلقني الله إنسان وكرمني ومنحني الأفضلية عن بقية خلقه لأني أتمتع بصفات الإنسانية وليس لكوني عربياً أو كردياً الخ..

دفاعي عن الكرد لا يعني كوني كردياً، وحديثي عن الأيزيديين ليس دليلاً على اعتناق مقدسهم، إيماني بحق المسيحيين فى بناء كنائسهم ليس مرده ابتعادي عن الإسلام، كما أن رفضي لتصفية الإخوان لا يعني انتمائي للجماعة!!

لست مجبراً على تبرير مواقفي، والدفاع عن قناعاتي، فحق الاختلاف مكفول، بل الأصل أن نكون مختلفين لنتمايز ونكمل نواقص بعضنا البعض، الله لا يريدنا نسخة واحدة، جعلنا شعوب وقبائل مختلفة لنتعارف ونتكامل، كلنا أخوة مهما تباينت أدياننا وأعراقنا وبلادنا.

متي ندرك أن لا فرق، ولا أفضلية لقومية على أخري، ولا لعرق على آخر، كونك عربي لا يمنحك أفضلية عن الرب، وكوني كردي لا يمنحني سخطه، متي ننزل من أبراجنا العاجية، ووهم خير أمة، فالخيرية المقصودة ليس لها علاقة بالقومية ولا العرقية، بل ترتبط بالإسلام وفق شروط محددة وثابتة، وتسقط تلك الصفة حال عدم الالتزام بتلك الشروط.

أدرك جيداً أنه لا مكان للمختلفين فى هذا الشرق التعيس، الذي غاب عنه المنطق، وغَيبت عنه الحقيقة، وإذا كان قدرنا أن نعيش وسط تلك العقول الرافضة للآخر، فإني أعاهد الله أن أكون صوتاً لكل ضعيف مهما كانت قوميته، وسنداً لكل محتاج مهما كان دينه، ولساناً لكل صاحب حاجة مهما كان مذهبه.

سنرحل جميعاً، ولن يبق سوي ذكرى فعلناها، أو كلمة كتبناها، وأني لأطمع أن تكون كلماتي ودفاعي عن المستضعفين الكرد سبباً فى غفران ذنوبي ودخولي الجنة.

أيها الكرد إني لأتقرب إلى الله بدفاعي عنكم، وشرف لي أن أختم حياتي  كردياً حتى لو كانت أصولي عربية .