الرئيسيةمقالاتمآلات الطرح السياسيّ في سوريّا والمواقف الفاعلة

مآلات الطرح السياسيّ في سوريّا والمواقف الفاعلة

محمّد آله

ما من شكّ أنّ الشعب السّوريّ بجميع مكوّناته دفع أثماناً باهظة، من تهجير وقتل وتغريب، وهي جاءت كنتيجة منطقيّة لعقليّة النظام القوميّة وإسلاميّة المعارضة المتشدّدة، وأكّد الطرفان صعوبة التمازج والتوافق مع الطبيعة السيكولوجيّة والموضوعيّة للشعب السّوريّ الذي ثار على النظام، وأظهر امتعاضه الشديد من المعارضة أيضاً.

كيف ستولد سوريّا الجديدة…؟؟

فبعد مرور أكثر من سبع سنوات على الثورة السّوريّة، بات من اليقين أنّه هناك حاجة ماسّة لفكر مختلف عن النهج القوميّ المتحرّر من الأطر الشموليّة، ليتوافق مع مطالب الثورة العفويّة في بداياتها.

من جهة أخرى كشفت الثورة مخاطر الانزلاق والاصطفاف خلف الحركات الإسلاميّة المتشعّبة داخل الفصائل ذات الفكر المتشدّد، لم تختلف عن البطن الذي ولدت منه، بطن النظام القوميّ. والتي فقدت بدورها تأثيرها وثقتها بالمطلق العام لحالة الولاء والانتماء، وأعطت انطباعاً لصورة سوداويّة لمستقبل لم ولن يعتد الشعب السّوريّ على استساغته، وهي بعيدة كل البعد عن ثقافته وتقاليده.

أثبتت التجربة الكرديّة في الشّمال السّوريّ نفسها وأنّها لائقة بتلك الطموحات والآمال الثوريّة، خاصّة بعد قدرة الإدارة على إحداث تغيّرات في بنية المجتمع بشكل متناسب وقريب من الجذور الأصليّة للمجتمع السّوريّ وبعيداً عن المنزلقات القوميّة والإسلاميّة العنصريّة.

والسؤال الأهم هو: كيف ستولد سوريّا الجديدة؟ وكيف ستدخل مرحلتها الثانية بعد قرب انتهاء المرحلة العسكريّة بكلّ ثقلها وضراوتها، في ظلّ تناقضات مصالح دوليّة هائلة كثيفة ومعقّدة؟

الواضح – والواقع يقول هذا – في تضاريس العمليّة السياسيّة، وجود قوّة عسكريّة وإرادة سياسيّة تحت يافطة قوّات سوريّا الديمقراطيّة ومجلس سوريّا الديمقراطيّ، ووجود النظام، الذي مازال رغم كلّ شيء، محتفظاً بشرعيّته السياسيّة، تحت ضغط الحاجة إليه في هذه المرحلة، حتّى وإن كانت هذه الشرعيّة هشّة من قبل المجتمع الدّوليّ.

يمكننا وصف الوضع السياسيّ في سوريّا بعد قرب القضاء على داعش؛ بالانفتاح السياسيّ والانسداد العسكريّ. فمن غير المتوقّع حدوث صراعات أو قتال بالمعنى المتعارف عليه في الجغرافيا السّوريّة، لذا ستُرتسم آفاق الحلّ السياسيّ من الداخل، خاصّة بعد ما استطاع الرّوس ابتلاع وإخراج المعارضة كلّياً من دائرة الحسابات السياسيّة والعسكريّة. ولو حاولنا مقاربة الصورة أكثر، نجد أنّ المناطق الخاضعة لسيطرة قوّات سوريّا الديمقراطيّة والنظام، القوّتين الحقيقيتين داخل هذه المعادلات والتي بدورها ستؤثّر على الاتّفاقيّات والمؤتمرات (جنيف وغيرها…) والتي أثبتت بأنّها فيما مضى، أي في المرحلة العسكريّة، لم تكن أكثر من لغة اصطلاحيّة بين موسكو وواشنطن لتثبيت الأزمة وليس كخِيار للحلّ.

ملامح المرحلة الثانية للأزمة السّوريّة

تبدأ المرحلة الثانية من مراحل النشاط السياسيّ (السلبيّ) لوضع الأوراق والضغوطات والمكاسب العسكريّة على الطاولة، واتّخاذ الأطراف الفاعلة مواقف أكثر حزماً من ناحية الانفتاح على الحلول، لتنتهي بإنتاج صيغة تشاركيّة لحدّ ما حتى ولو كان غير مستوفي لشروطه، فيبقى البحث عن حلّ واقعيّ للوضع أفضل من البحث عن حلول مثاليّة تعقّد وتمدّ من أجَلِ الأزمة.

هذه المرحلة ستدفع دول متواجدة باتّجاه (اللبننة) أي لبننة الحكومة السّوريّة كخِيار سياسيّ، بما معناه طرح حكومة النظام بمركزيّة هشّة، وإنتاج معارضة سياسيّة تتنافس على مقاليد السلطة، وتثبيت “الشرعيّة الإداريّة للكرد” والتي قد تكون غير مستساغة لبعض الجهات.

وهذا الخيار مرتبط بالحالة الواقعيّة والمحدّدات المنطقيّة المتمثّلة بوجود الكرد في الشّمال والنظام في بقيّة المناطق، وهو ما سينتج استقراراً نسبيّاً، وهذه الحالة لا يمكن نعتها بالتقسيم، بل هو حلّ واقعيّ يهدف إلى خلق مجال حيويّ لإنشاء “إدارات مدنيّة” تخفّف من حدّة المركزيّة المتشدّدة والطغمة الاستبداديّة، ممّا يُدخل الشعب السّوريّ بكلّ مكوّناته نحو مرحلة صناعة الأمل.

أمريكيّاً، التدخّل الرّوسيّ في سوريّا تورّط بالمعنى العسكريّ والدبلوماسيّ

والسؤال: ماهي مصالح الأطراف الفاعلة (واشنطن، موسكو، أنقرة وطهران) في الداخل السّوريّ، في حالة التقارب والتفاوض السياسيّ بين النظام والإدارة الذاتيّة في الشّمال، وما هي فرص إنتاج الحلول؟

الولايات المتّحدة الأمريكيّة – وفي مقابلة مع صحيفة نيويورك تايمز – قال ترامب: “أنا لا أقول إنّ الأسد رجل جيّد، لأنّه ليس كذلك، ولكن مشكلتنا ليس الأسد بل تنظيم الدولة الإسلاميّة”.

من السذاجة السياسيّة القول إنّ الولايات المتّحدة الأمريكيّة دخلت إلى سوريّا لمساعدة قوّات سوريّا الديمقراطيّة على محاربة الإرهاب، ومن ثمّ الخروج في حال انتهاء العمليّات، فجاذبيّة المركز السّوريّ والمصالح السياسيّة والاقتصاديّة تطغى على كلّ شيء.

اعتمدت الإدارة الأمريكيّة من الناحية التقليديّة في مقاربتها للصراعات السياسيّة أو العسكريّة على الكمّ الرقميّ والدعاية والمحاسبة القانونيّة، دون أن ترتكز على أسس سببيّة، معتبرة إيّاها ظواهر مؤقّتة، لتعود من الناحية التطبيقيّة لتعترف بخطئها وتضع نفسها في مخاض وفوضى، وإن غيّرت من آليّتها التقليديّة، إلا أنّ أهدافها بقيت هي. هذه العموميّة الشائكة في الطرح كلّفت واشنطن انحسار دورها السياسيّ في سوريا لصالح بروز الدور الرّوسيّ، بمعنى أنّ الإدارة الأمريكيّة تعتمد سياسة إدارة المشاكل وليس حلّها.

وبالمقابل فالولايات المتّحدة الأمريكيّة تدرك تماماً أنّ بقاء الأسد في المرحلتين العسكريّة والسياسيّة يخدم مصالحها نوعاً ما ويحافظ قياسيّاً على حالة الاستقرار، خاصّة بعد تجاربها في ليبيا والعراق وحتّى البلقان، والتي أدّى تدخّلها وقضاؤها على مؤسّسة الحكم ورأس الهرم إلى إنتاج المزيد من الفوضى، ناهيك عن أنّ واشنطن تعتبر أنّ استمراريّة التدخّل الرّوسيّ في سوريّا أصبح في الوقت الحاضر تورّطاً بالمعنى العسكريّ والدبلوماسيّ، الذي سيكلّف روسيّا المزيد من الخسائر في حال استمرار الصراع، وهو ما تمنح الولايات المتّحدة تكثيف الضغوطات على روسيّا في حال القبول والجلوس حول طاولة المفاوضات.

ومن زاوية أخرى، وحتّى تستمرّ الولايات المتّحدة بوجودها في سوريّا؛ يتوجّب عليها إنعاش الدعم السياسيّ للتجربة الكرديّة في الشّمال والذي بدوره سيمنح الإدارة الأمريكيّة مزيداً من الضغط على الأسد في المستقبل، ونفوذاً مباشراً في سوريّا والوقوف أمام التمدّد الإيرانيّ الرّوسيّ، الذي تخشاه. فحسب الإيديولوجيّة التقليديّة للإدارة الأمريكيّة لا تختلف إيران عن داعش، لذا يبقى مقاتلو قوّات سوريّا الديمقراطيّة السدّ المنيع لمحاولات التمدّد الإيرانيّ.

فشل روسيّ متكرّر في الوصول إلى حلول تخدم مصالحها

روسيّاً: لم تخفِ موسكو يوماً مساندتها لنظام الأسد ودعمها له؛ مبرّرة ذلك بطلب دمشق منها لمحاربة الإرهاب، والتي أدّت إلى إحداث تغييرات جذريّة في معادلة الصراع السياسيّ والعسكريّ لصالح النظام، خاصّة بعد الانكفاء الأمريكيّ والغربيّ في عهد أوباما.

دعمت موسكو الأسد منذ بداية الانتفاضة سواء من خلال الأسلحة والطيران أو الجنود والتغطية السياسيّة والدبلوماسيّة، لكنّ المشكلة تكمن أنّ الحلول الرّوسيّة لم تلقَ تجاوباً من الإدارة الأمريكيّة والغرب، بحيث أصبح المجال السّوريّ في مرحلة ما تورّطاً حقيقيّاً لبوتين خاصّة بعد فشل روسيّا المتكرّر في الوصول إلى حلول تخدم مصالحها. لذا يمكننا القول إنّ الانكماش الغربيّ والأمريكيّ أدّى إلى تدخّل وتوريط أكثر لروسيّا في الداخل السّوريّ والتي بدورها بدأت تبحث عن مخرج سياسي حقيقيّ تجعله صوريّاً هي الرابحة وتبدي نفسها صاحبة الحلّ أمام الرأي العالميّ.

منذ بداية الثورة في آذار مارس /2011/ اعتمدت روسيّا على خطّين من التحالفات؛ الأوّل كان إستراتيجيّاً وصريحاً تمثّل بدعمها للنظام والذي قوبل بسخط دوليّ وإقليميّ، خاصّة بعد ارتفاع عدد القتلى من الشعب السّوريّ.

والثاني، كان تكتيكيّاً مبهَماً، وهم الكرد، كورقة ضغط مباشر على تركيّا الداعم الرئيسيّ للفصائل الإسلاميّة.

كانت روسيّا تعتبر أنّ كلّ من يعارض الأسد هو منضوٍ تحت يافطة الإرهاب باستثناء الكرد، التي رأت فيهم خطّاً ثوريّاً سلساً يمكنها التعامل السياسيّ معها مستقبلاً، وإن حاولت مراراً نزع هذه الورقة من واشنطن والذي قوبل بالرفض من المقاتلين الكرد.

من خلال هذين النهجين (الإستراتيجيّ والتكتيكيّ)، كان لدى موسكو العديد من الخيارات السياسيّة والعسكريّة لتظهر نفسها كقوّة رياديّة جديدة في السّاحة المشتعلة في الشرق الأوسط وتعزّز من دورها في سوريّا. فبوتين كان متيقّناً أنّه في حال نجاحه في تحقيق الحلّ السياسيّ داخل سوريّا، سيجعل من نفسه الواجهة المنقذة لجميع المشاكل العالقة في الشرق الأوسط، ممّا يخفّف من بلورة الدور الأمريكيّ كصانع للقرارات. بقيت شراهة الدبّ الرّوسيّ وتضخّم شعور بوتين بقوّته، مفتوحة لتحصيل أكبر قدر من المنافع السياسيّة من المشهد السّوريّ، لينخرط أكثر فأكثر في الدوّامة السّوريّة.

تيقّن روسيّ بالإفلاس بعد الاحتلال التركيّ لعفرين

بعد خيانتها للكرد في عفرين، تيقّنت روسيّا أنّ إفلاسها في الحلّ أصبح وشيكاً، وعليه بدأت البحث عن حليف جديد، خاصّة أنّ الاعتماد على النظام لن يكسبها حلولاً جديدة بقدر ما يمكن أن يفقدها ما كان لها، رأت في تركيّا (من خلال عمليات خيانة متبادلة ضدّ الجهات التي دعمتها سابقاً) بوّابة عقدٍ جديد من التحالفات، وذلك بمحاولة إخراج تركيّا من الناتو واصطفافها إلى جانب الحلف الذي تتوّلاه، والتي اعتبرها البعض مقامرة ومغامرة سياسيّة من الجانب الرّوسيّ على صعيد المكاسب، والتي باءت بالفشل.

لكن يبقى الحلّ السياسيّ وإطلاق المفاوضات بين النظام والإدارة الذاتيّة – فيما إذا قدّر لها أن تنطلق – بوجود الرّوس؛ أكبر دفعة وَهِبَةٌ سياسيّة لموسكو التي ستخرجها من هذا المأزق كرابح، حيث أنّ استمرار الصراع دون التوصّل لحلول؛ سيفتح أمام موسكو سيناريوات جديدة وبديلة قد لا تخدم مصالحها، بل على العكس قد تكلّفها الغالي والثمين.

ولكن يبقى المسار التاريخيّ يؤكّد أنّ روسيّا لا تقترب من ملفّات الشرق الأوسط إلا في حالة تحقيق مكاسب اقتصاديّة ونادراً لتحقيق مكاسب ضدّ الغرب.

وعليه فإنّ المقاربة الرّوسيّة تكون تكتيكاً وتصبح ميّزة التخلّي عن الحلفاء والتوافق مع الأعداء شيئاً بديهيّاً فاضحاً في السياسات الرّوسيّة.

ولكن رغم هذه التناقضات، من مصلحة قوّات سوريّا الديمقراطيّة أن تبقي على علاقتها مع الرّوس وتفتح باب الحوار معها من جديد وبشروط أثقل، ليس فقط من مبدأ موازنة العلاقات مع الولايات المتّحدة الأمريكيّة في المستقبل، وإنّما لضبط إيقاع الأتراك، فروسيّا هي الأقدر على لجم تركيّا في حال تعارض مصالحها معها.

تركيّا… وقوع في المستنقع السّوريّ بعد احتلالها عفرين

تركيّاً: تَعارضُ الموقف التركيّ وتناقضاته مع روسيّا وإيران لم يتطابق مع حلفائه المفترضين الولايات المتّحدة والغرب اللذان ركّزا على محاربة الإرهاب، بينما تعتبر تركيّا محاربة الكرد أولويّة.

دخلت تركيّا بكلّ ثقلها في المستنقع السّوريّ؛ خاصّة بعد احتلالها لمنطقة عفرين، حيث أصبحت دولة مؤجّجة بالصراعات الداخليّة والخارجيّة، فتصفير المشاكل كنظرية اعتمدت عليها حكومة العدالة والتنمية قد فشلت نتيجة الأحداث السياسيّة المتسارعة والمباغتة، لتظهر بعد هذه الأحداث مترنّحة ومحاطة بكتلة من مشاكل الجوار والداخل والخارج، وهو ما يمكن تسميّته بـ”العماء السياسيّ والسلطويّ” والتي قد يخرجها من سوريّا، لتدخل تركيّا في صراع داخليّ أشدّ، خاصّة بعد أن أصبحت السّاحة التركيّة مفتوحة على احتمالات عدّة وقاب قوسين أو أدنى حتّى من تقزيم حجمها بالبعد الواقعيّ والسياسيّ.

وهذا العماء السياسيّ يمكن تلخيصه بعدّة حالات:

  • السياسة اليتيمة التي اعتمدت على عنجهيّة وتسلّط حزب العدالة والتنمية ورئيسها طيّب أردوغان، وصياغته لسياسة خارجيّة مناوئة ومتضاربة مع حلفائه التقليديين، خاصّة في سوريّا.
  • المشاكل السياسيّة الداخليّة التي بدأت بتغيير الدستور، وانتهاء بضرب كلّ أشكال الديمقراطية عرض الحائط؛ متّكئاً على التصعيد الأمنيّ.
  • حالة العداء المستفحل والواضح لأيّة إرادة سياسيّة للشعب الكرديّ.

ستعارض تركيّا أيّ تقارب بين النظام والإدارة الذاتيّة

والنتيجة البديهيّة أنّ تركيّا هي العائق الوحيد في السّاحة السّوريّة والتي ستقف في وجه هذا التقارب والتفاوض في حال ظهوره. فتركيا هي الداعم والراعي الأوّل للجماعات الإسلاميّة المتطرّفة، وهي نتيجة منطقيّة لتفاصيل الخطاب التركيّ الإسلاميّ الذي تنتهجه.

منذ بداية الثورة ما فتئت تركيّا تطالب بإسقاط النظام واستلام الجماعات الإسلاميّة زمام السلطة، فتحويل تركيّا إلى ساحة انطلاق هذه الجماعات لمقاتلة النظام وقوّات سوريّا الديمقراطيّة، كلّ ذلك، أوضح للمجتمع الدوليّ أنّ حاضنة الإرهاب هي تركيّا.

ولكن من حيث الأولويّات، يبقى المشروع الكرديّ هو الهاجس الأكبر الذي تتخوّف منه تركيّا، والتي برزت نتائجه بالقبول الضمنيّ ببقاء الأسد في الحكم لفترة انتقاليّة في اجتماعات “فيينا”.

بالمقابل، فجميع الأوراق السياسيّة وحتّى العسكريّة سُحِبت من تركيّا في ظلّ مقامرتها الفاشلة بإعادة أمجاد السلطة العثمانيّة والقضاء على الحلم الكرديّ.

بعد التطوّرات المتسارعة على السّاحة السّوريّة؛ امتزجت الأزمة السّوريّة عضويّاً مع الداخل التركيّ، فالتقدّم المضطّرد للمشروع الديمقراطيّ الذي تنتهجه قوّات سوريّا الديمقراطيّة، تعتبره تركيّا أنّها أمام أكبر كابوس يهدّدها على المدى البعيد وبسيناريوات مختلفة ومفتوحة، تبشّر بقرب اندلاع أزمة تركيّة عميقة، ليصبح هذا المدى قريباً بعد الاحتلال التركي لعفرين والتي أصبحت بوّابة جديدة لصراعات مستقبليّة خارج الحدود السّوريّة وداخل الحدود التركيّة.

كلّ هذه الأسباب تجعل تركيّا متخوّفة ومتوحّشة من أيّ تقارب بين النظام والكرد، وفي حالة حصول أيّ توافق بينهما؛ تصبح تركيّا أكثر دولة دفعت فاتورة التدخّل الساذج إلى العمق السّوريّ نتيجة سياستها العقيمة.

خطر التوسّع السنّيّ يهدّد إيران

إيران: بعد اندلاع الثورة السّوريّة، تطوّرت العلاقات الإستراتيجيّة بين طهران وموسكو لتأخذ أبعاداً عضويّة من حيث الحضور العسكريّ والسياسيّ في دائرة اتّخاذ القرارات، خاصّة أنّ خطر التوسّع السنّيّ يهدّد إيران من حيث نهجها الطائفيّ.

التماثل الإيديولوجيّ بين إيران ودمشق؛ جعلت من المحافظة على عائلة الأسد خطّاً مستقيماً لا تحيد عنه، لذلك فإنّ التقارب والحلول السياسيّة في حال حدوثه بين الكرد والنظام، تجده إيران أنّه لا يخدم إيديولوجيّتها بالمحافظة على الشكل الطائفيّ والقوميّ لسوريّا.

إلا أنّ إيران تبقى مخضرمة في الأنساق السياسيّة وتستطيع وضع تصوّرات لمستقبلها ومستقبل سوريّا أيضاً، وهي تدرك تماماً أنّه من الصعب رأب الصدع الحاصل منذ الثورة، لذا تجد عمليّة المحافظة على الطائفة المتّحدة معها إيديولوجيّاً هدفاً وأولويّة تطغى على جميع التكهّنات السياسيّة، هذا من ناحية، من ناحية أخرى تبقى إيران متشعّبة ضمن تعقيدات سياسيّة، خاصّة أنّ فرضيّة التوافق الإسرائيليّ الرّوسيّ تطلّ برأسها بقوّة، ناهيك عن أنّ تاريخ العلاقات بين موسكو وطهران كانت تارة تأخذ طابع التعاون وتارات عدّة طابع التنافس. وبالمقابل فإنّ رغبة واشنطن الجدّيّة في إخراج إيران من الدائرة السياسيّة في سوريّا، قوبل باتّفاق روسيّ أمريكيّ حقيقيّ.

لذلك فإنّ طهران تدرك إلى حدّ ما أنّها لا تستطيع أن تبقي على عائلة الأسد والشكليّة الهرمية للدولة السّوريّة، وبالتالي فهي مضطّرة لاختيار الحلّ المرّ؛ الدفع بالنظام لقبول المفاوضات مع الكرد والقبول بإداراتهم بغية المحافظة على رأس الهرم ومكاسبها السياسيّة داخل سوريّا.

بالنتيجة، السياسات والتعقيدات المتشعّبة المعتمدة على التقاطعات الدينيّة والسياسيّة المتناقضة بين جميع الأطراف، مضطّرة للحفاظ على ماء وجهها أمام المجتمع الدّوليّ لتلتقي في نقطة جدّيّة وهي إلغاء المركزيّة المتصلّبة لشكل الدّولة السّوريّة السابق، والبدء بمرحلة سياسيّة قائمة على ثلاثة محاور:

  • حكومة مركزيّة في دمشق دون التطرّق إلى بقاء الأسد من عدمه، أو تأجيل تلك الرؤية إلى أجل ليس ببعيد.
  • الاعتراف بشرعيّة الإدارة الممثّلة بمجلس سوريّا الديمقراطيّة، وذلك بتوافق الأطراف والمكوّنات المتداخلة في مناطق سيطرة قوّات سوريّا الديمقراطيّة.
  • تشكيل جماعات ضغط جديدة تحت مسمّى “المعارضة” للوصول إلى المرحلة الثالثة، وهي تنحية الأسد تحت مسمّى “المرحلة الانتقاليّة”.

ولكن رغم التكهّنات السياسيّة التي باتت أقرب إلى التنجيم منها إلى طموحات الثورة السّوريّة والشعب السّوريّ بغد أفضل يسوده العدالة والقانون وروح الديمقراطيّة، تبقى ديناميكيّة العمليّة السياسيّة “الهلاميّة” السائدة، تصبّ في مصالح الدول الفاعلة والتي قد تقلب الطاولة في أيّة لحظة، وهو العنوان الأبرز للأزمة التي يعيشها الشعب السّوريّ.