الرئيسيةمقالاتالمونديال وأخوّة الشعوب

المونديال وأخوّة الشعوب

محسن عوض الله

لا أنكر إعجابي الشديد بمشروع الأمّة الديمقراطيّة وأخوّة الشعوب الذي يسعي الكرد لتطبيقه بشمال سوريّا، فالمشروع كما أراه نظريّاً يمثّل نقلة نوعيّة في الثقافة السياسيّة بالشرق الأوسط، تتمثّل روعته فى فكرة قبول الآخر والتجاوز عن الأعراق والقوميّات، وتأسيس فكرة التعايش الإنسانيّ، دون النظر لقوميّة أو دين.

بالنسبة لي أتمنى أن يأتي يوم ويمنحني القدر فرصة العيش فى أمّة ديمقراطيّة، لا فضل فيها لوزير على غفير، ولا لرئيس على مرؤوس، أمّة يسود فيها القانون بصورة لا تمنع ابن عامل القمامة من أن يصبح وزيراً، وتجعل نجل الرئيس عاطلاً بلا قيمة.

لفت انتباهي خلال متابعتي لمباراة فرنسا وبلجيكا بنصف النهائيّ بكأس العالم كثرة أعداد اللاعبين الأفارقة المجنّسين بالفريقين، بصورة جعلت المباراة أشبه بمواجهة بين الكونغو ومالي أو الكاميرون وتوجو!!

 بالبحث، عرفت أنّ قائمة فرنسا بالمونديال تضمّ 18 لاعباً من أصول غير فرنسيّة، جلّهم من أصول أفريقيّة من دول مثل الكونغو ومالي وتوجو والكاميرون والسنغال وغينيا والمغرب والجزائر، بالإضافة لحارس من أصول فلبينية ولاعب إسبانيّ وآخر برتغاليّ وثالث من جزر جوادلوب الواقعة بالبحر الكاريبي!

نفس الأمر بالنسبة لبلجيكا، التي نجحت فى حصد برونزيّة المونديال، فهناك 11 لاعباً فى قائمة بلجيكا من أصول غير بلجيكيّة، 5 منهم من دولة الكونغو، فيما يتوزّع الآخرون ما بين كوسوفو ومالي والمغرب وإسبانيا وجزيرة مارتينيك بالكاريبي!

ربّما نظرتي لهذا الأمر تختلف بعض الشيء عن نظرة الكثيرين، فبعيداً عن قضيّة “التجنيس” واتّهام الدول الأوروبيّة بسرقة البشر بعد أن سرقت خيرات الدول التي احتلّتها، إلا أنّ الأمر له بعد آخر، يتمثّل فى تجاوز الدول الأوروبيّة فكرة العرق والأصل والدين مقابل الكفاءة، فلا فرق بفرنسا بين “نبيل فقير” الجزائريّ الأصل، المسلم الديانة، و”أوليفييه جيرو” الفرنسيّ الأصل، فكلّهم فى النهاية يعيشون تحت راية واحدة ويرفعون علماً واحداً.

كذلك الوضع فى بلجيكا، لا فرق بين روميلو لوكاكو الكونغوليّ الأصل، ونجم الفريق إدين هازارد، فكلّهم تحت راية القانون واحد، لا يهمّ إن كان لوكاكو معدماً فقيراً، كما تناولت وسائل الإعلام قصّة نشأته وحياته، ليس مهمّاّ من يكون وما دينه وأصله، المهمّ أنّه يعيش فى دولة ويحترم قانونها ويعمل على رقيّها ورفعتها.

فرق كبير بين تعاطي الدولة الغربيّة مع قضيّة القوميّات والأعراق، وتعاملنا نحن من قادَنا حظّنا السيء للحياة فى الشرق الأوسط التعيس حيث الولاء للدولة القوميّة والأنظمة والأحزاب تنشأ على أساس دينيّ، ولا مكان أو حقوق كاملة لعرق مخالف، أو دين مختلف، أو أقليّة ذات قوميّة مغايرة.

الغريب فى الأمر؛ أنّ القوى الغربيّة هي من صنعت فكرة القوميّة، وروّجت لها وَرَعت نشأتها، وضخّمتها في الشرق الأوسط، ولكنّها لم تسمح لهذا الفكر القوميّ بالتغلغل أو التواجد بداخلها، ربّما لأنّها تعلم ما لهذا الفكر من تأثير تدميريّ داخليّ على الدول والمجتمعات.

وفى ظلّ هذا الوضع القاتم بالشرق الأوسط، يأتي الضوء أو بصيص الأمل من مشروع الأمّة الديمقراطيّة وأخوّة الشعوب بشمال سوريّا؛ ليكون بمثابة حلم جميل فى مواجهة كابوس أسود من الاستبداد والديكتاتوريّة والقهر الذي تعيشه المنطقة منذ قرون.

ربّما كان من الطبيعي أن نجد أنظمة مستبدّة ديكتاتوريّة تهاجم مشروع الكرد بشمال سوريّا؛ خوفاً من تهديده لعروشهم البالية، وأنظمتهم القمعيّة العنصريّة، لكن المثير للحزن أن نرى قطّاعاً كبيراً من المقهورين تحت تلك الأنظمة يشهّر سيفه فى مواجهة هذا المشروع لا لشيء سوى لأنّ المشروع يحمله الكرد فقط!

خرج البعض متحدّثاً بلسان النفس التي استلذّت القهر – وألِفَتْ الظلم والقهر – ليتّهم الكرد بكلّ نقيصة، فهم خونة الأرض عملاء أمريكا الملحدين، وكأنّ العمالة فقط ترتبط بالعلاقة مع أمريكا دون غيرها، فى حين أنّ مَنْ يقاتل من السوريين فى صفوف الجيش التركيّ بمناطق درع الفرات لا تلاحقه تهم العمالة والخيانة!!

صديقي الكاره للكرد، حاول أن تتناسى خلافاتك، وتعلو فوق قوميّتك، تعلّم من منتخب الديوك الذي تشجّعه كيف ترفع المصلحة الوطنيّة فوق الحسابات الشخصيّة وصراع القوميّات الذي تجاوزه العالم منذ عقود.

تعلّم من الاسلام الذي لا يفرّق بين “عربيّ أو عجميّ ولا أبيض أو أسود إلا بالعمل الصالح، تعلم من المسيح الذي يقول  “لا فَرقَ بين عبدٍ وحُرّ، بين رجلٍ وامرأة، كلّكم واحد في المسيح يسوعَ… غلاطية 3 :28”.

ختاماً، من المؤكّد والطبيعيّ وقوع أخطاء في تطبيق مشروع الأمّة الديمقراطيّة والإدارة الذاتيّة بشمال سوريّا، ولا يمكن الحكم على مشروع بهذا الحجم والضخامة خلال تطبيقه بدولة تأكلها الحرب الأهليّة وتتكالب كلّ الدول الإقليميّة على إسقاطه.

ويبقي الأمل أن أعيش حتّى أرى مشروع الأمّة الديمقراطيّة وأخوّة الشعوب وقد عمّ بلادنا، وساعتها فقط نفتخر أنّنا عشنا فى الشرق الأوسط الديمقراطيّ … اللهم بلّغنا ذلك اليوم …