الرئيسيةمقالاتترامب وأردوغان وأكذوبة القس المعتقل

ترامب وأردوغان وأكذوبة القس المعتقل

محسن عوض الله

جاءت أزمة الخلافات الأمريكية التركية وما تبعها من أزمة اقتصادية بتركيا على خلفية انخفاض سعر الليرة أمام الدولار ليفتح المجال أمام أحلام البعض حول فكرة سقوط تركيا ونظام أردوغان.

لا يعلم البعض أن الدولة التركية بتركيبتها ونظامها تمثل أحد أذرع النظام العالمي في إدارة الشرق الأوسط، وتلعب دوراً لا يمكن الاستغناء عنه في موازين المنطقة وأزماتها.

بنى البعض أحلاماً من الخيال حول اقتراب نظام أردوغان من السقوط، وتصدع أركانه على خلفية الأزمة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، على الرغم من العلاقات الكبيرة بين واشنطن وأنقرة التي لا يمكن أن تؤثر فيها أزمة عارضة مثل القس إذا اعتبرنا أزمة من الأساس.

بعيدا عن تغريدات ترامب، فالواقع يقول أن المبررات الأمريكية حول الأزمة مع تركيا هزيلة، ولا يمكن أن يقتنع بها عاقل لبيب خاصة أن القس برونسون الذي يزعم ترامب أنه انتفض من أجله تم اعتقاله بتركيا منذ أكثر من عامين!

الغريب أن ترامب لم يتحرك سوي بعد أن خرج القس من السجون التركية وأصبح رهن الإقامة الجبرية في منزله، وكأن المعتقل أهون عند ترامب من تحديد الإقامة!

هل تذكر ترامب فجأة أن هناك مواطناً أمريكياً معتقل في الدولة التركية بتهم تتعلق بالإرهاب، ويخضع منذ عامين لمحاكمات ربما تفتقد للنزاهة.

هل أصبحت العلاقات الأمريكية التركية الآن فقط ” ليست جيدة” رغم أن ممارسات النظام التركي خلال تلك الفترة الماضية كانت كفيلة بفرض عقوبات أمريكية على تركيا خاصة أن الفترة التي احتجز فيهم القس شهدت اعتقال مئات الآلاف من المواطنين الأتراك بتهمة الانتماء لتنظيم الخدمة الذي يتهمه أردوغان بالتورط في محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016.

لماذا استمرت العلاقات الأمريكية التركية جيدة رغم كل الممارسات التركية بالمنطقة، وإداراتها للتنظيمات الإرهابية بسوريا، واحتلالها لمدينة الزيتون عفرين، وقيامها بعمليات تطهير عرقي بحق الأكراد بشمال سوريا فضلاً عن الممارسات الإرهابية للميليشيات السورية المرتبطة بأنقرة خلال حرب عفرين!

لو كان ترامب جاداً في عقاب أردوغان على اعتقال القس لآثار الأزمة قبل الانتخابات التركية التي لم يمر عليها سوي شهرين خاصة أن القس كان معتقلاً قبيل الانتخابات بفترة طويلة، وتصعيد الأمر وفرض العقوبات خلال تلك الفترة كان كفيلاً بالتأثير على حظوظ أردوغان في البقاء بالسلطة.

ويبقي السؤال هل هناك فعلاً خلاف أمريكي تركي؟ ولماذا تذكرت واشنطن القس برونسون الآن فقط؟

الإجابة على هذا السؤال تتطلب ربط الأحداث في سياق إقليمي متصل، ربما تكون البداية بقمة هلسنكي التي جمعت الرئيسين الأمريكي والروسي في ظل رغبة دولية لإعادة ترتيب المنطقة والاستعداد لمرحلة ما بعد الأزمة السورية.

ومثلت قمة ترامب بوتين صفعة للنظام التركي الذي اعتاد اللعب على تناقضات المصالح بين موسكو وواشنطن، فأردوغان الذي طالما راوغ أمريكا بالدب الروسي، وهدد الكريملين بالعم سام وجد نفسه عارياً بعد أن اتفق الروس والأمريكان على تقاسم الكعكة السورية فيما بينهما دون سواهم على أن يتخلى الروس عن الإيرانيين والأتراك، لتحل هلسنكي بديلاً عن كل الاتفاقيات الدولية حول سوريا مثل استانا وجنيف وغيرها حتى وإن لم يتم إعلان ذلك.

وجاءت اللقاءات بين حكومة دمشق ومجلس سوريا الديمقراطية “مسد” كأول مخرجات قمة هلسنكي لتعزز المخاوف التركية حول التحول في الموقف الروسي الراعي الرسمي للنفوذ التركي بسوريا، والذي يمثل التحول فيه بداية لانهيار أحلام أردوغان في السيطرة على الشمال السوري خاصة مع التكهنات بعملية عسكرية قريبة للنظام السوري مدعوماً بالطيران الروسي لاستعادة إدلب معقل الجهاديين الخاضعة للنفوذ التركي.

لا أعتقد أن تحرك ترامب الأخير تجاه تركيا جاء انتصاراً للقيم الأمريكية أو دفاع عن مواطناً أمريكياً كما يروج ترامب بقدر ما يمكن اعتبار الأمر جزء من سلسلة اجراءات تم الاتفاق عليها خلال قمة هلسنكي بإعادة رسم المنطقة وفق توافق روسي أمريكي يخرج تركيا من المعادلة السورية.

هناك من يري أن الأزمة الاقتصادية بتركيا كانت حادثة لا محالة في ظل سياسة الاقتراض التي اعتمدها العدالة والتنمية منذ وصوله للسلطة، وقرارات ترامب قد تمثل طوق نجاة لأردوغان للسيطرة على السوق المصرفي، فبحسب الأرقام المتداولة فقد نجح أردوغان خلال تلك الأزمة في جمع 12 مليار دولار من الشعب التركي وهو أمر لم يكن ليحدث لولا استثارة العاطفة الوطنية والدينية حول المؤامرة الأمريكية لإسقاط الدولة التركية، والمخطط الصهيوأمريكي لإسقاط زعيم المسلمين فضلاً عن خطابات أردوغان الشعوبية واستثارته للعاطفة الدينية بقوله “لهم الدولار ولنا الله” إلى غير ذلك من الوسائل التي اعتمدها أردوغان ورجاله للاستفادة من الأزمة.

سيخرج أردوغان من الأزمة أقوي فهو عادة ما يستفيد من الأزمات التي قد يراها البعض عاصفة بنظامه، ولكنه دوماً يخرج منها منتصراً كما حدث في محاولة الانقلاب العام قبل الماضي بعد أن نجح أردوغان في السيطرة على الجيش بشكل كامل وتخلص من كل الموالين لحركة الخدمة بمؤسسات الدولة التركية.

بعد الأزمة قد يجد أردوغان مليون مبرر ليعلن أمام شعبه الانسحاب العسكري من سوريا مع التأكيد على التزام واشنطن وموسكو بمنع أكراد الشمال السوري من تهديد الأمن القومي التركي.

ستخرج تركيا من سوريا وفق التفاهم الروسي الأمريكي ولكن بحكم أن أنقرة حليف لواشنطن كان لابد من خروج يمكن وصفه بالمشرف للحفاظ على الشكل العام للرئيس التركي أمام مؤيديه.

ختاماً .. ترامب أكثر حرصاً على أردوغان وواشنطن مهتمة بالحفاظ على علاقتها بتركيا، الأمر لا يتعدى مجرد إعادة رسم خريطة المنطقة، وانتهاء دور تركيا بسوريا ولذا كان لابد من تذكير أنقرة بحجمها الحقيقي، محاولات أردوغان لادعاء الصمود مجرد شعارات لاكتساب شعبية والاستفادة من الأزمة، الأيام القادمة قد تشهد متغيرات كبيرة على الساحة السورية وربما تعود عفرين لأحضان الكرد دون قطرة دم عبر وساطة روسية تخضع المدينة للنظام ولو بشكل نظري.