الرئيسيةGeen categorieنواف… وكوباني

نواف… وكوباني

فادي عاكوم

“نواف” هو عنوان الرواية الجديدة التي ستصدر بعد أيام من الآن، وهي حكاية طفل سوري أكثر منها رواية، فيها ملخص لما مر ويمر به أطفال سوريا في كل المناطق ومن كل الاتجاهات السياسية والعقائدية والطائفية والدينية، فالطفل السوري هو الخاسر الأكبر في الملحمة السورية، أو بمعنى أدق المذبحة السورية التي يبدو أنها لن تنتهي قريباً، ولو انتهت فمفعولها سيستمر سنوات طويلة على الأقل بالنسبة للأطفال السوريين.

فعبثية الأحداث في سوريا المستمرة منذ سنوات لم تنتج للآن إلا شلالات الدماء النابعة من أجساد السوريين، بعد أن تحول الصراع إلى تصفية للحسابات الدولية، وتنفيذ مآرب بعض الدول وتاكيد سيطرة البعض الآخر، فأصبح الشعب السوري هو الخاسر وتحول الطفل السوري إلى الخاسر الأكبر، وعندما أقول الطفل السوري أقصد كل أطفال سوريا دون استثناء، فالطفولة لا تنقسم إلى معسكرات سياسية أو عسكرية.

أطفال سوريا عانوا ويعانون من القتل والاصابات والإعاقة، والأمراض النفسية التي سترافقهم لفترة لن تكون بقصيرة، فشبح الموت لن يغيب عن عقولهم الصغيرة بسهولة، وصور القتل والدمار ستكون دائما ببالهم، والأهم أنهم تحولوا إلى رجال قبل أوانهم، خلال سعيهم للتاقلم مع واقع الحال، بل حتى خلال سعيهم للبقاء أحياء في بلد الموت والدمار.

أطفال سوريا هم سوريا المستقبل، وهم الذين سيحددون مسار التاريخ السوري الحديث والمستقبلي، فإن لم تتوجه العناية صوبهم ستكون الكارثة الحقيقية، وإن لم تسترجع طفولتهم الضائعة ستكون الكارثة أكبر.

وعندما بدات الكتابة عن نواف الطفل، تقصدت أن يمر بالعديد من المناطق السورية، خصوصاً الساخنة منها، واصف ما يتعرض له الطفل من حرمان وفقدان للأهل والأحبة، وبمعنى أصح فقدان للطفولة بكل معنى الكلمة، فقمت بالتجوال مع نواف بين دمشق وحلب وحمص ودير الزور واللاذقية والقلمون وغيرها من المناطق، إلا أني وجدت نفسي أقف مطولاً في كوباني، لوصف ما فعلته الأيادي السوداء بهذه المدينة الجميلة.

نواف الطفل الذي حولته الحياة القاسية إلى رجل خمسيني وهو لم يبلغ الخمسة عشر ربيعاً بعد كان له في كوباني صولات وجولات، ففيها نعم بالأمن والأمان بعد أن تيتم، وفيها قام بأول عمل له، وفيها أشتم رائحة الحب العذري البريء الجميل، وفيها قاوم وتعلم معنى المقاومة وواجه كالأبطال أبناء الفكر الداعشي المتطرف، وفيها استطاع ولو بقدر صغير الانتقام ممن يتمه وشرده.

فكرت طويلاً أثناء سردي للحكاية بكوباني، لماذا هي وليس أي مدينة أخرى، لماذا أخذت هذه المدينة الكثير من اهتمامي حتى ألصقت نواف بها لصقاً أساسياً من متن الحكاية، فلم أجد إلا جواباً واحداً، وهو إن هذه المدينة بشغفها وجمالها تستقطب محبيها من حيث لا يدرون، خصوصاً وأنها تعتبر من قلاع الحرية القلال، وتعتبر من المدن التي رفضت كلياً الانصياع تحت راية السواد والحكم الآتي باسم الدين الذي تم تشويهه من قبل أصحاب القمصان السوداء والذقون البلهاء.

فلكوباني تاريخ مشرف في مقاومة أعداء الدين، نعم أعداء الدين الذين حاولوا الدخول إليها وتدنيسها بأفكارهم البالية، إلا أنها انتفضت بأبنائها وأصدقائها ضدهم، رافضة هذا الاحتلال الأسود الآتي من بلاد القاتل أردوغان الذي يكره المدينة إلى درجة فتح بوابات بلاده لتنقل آلة البطش والذبح إلى كوباني أمام أعين العالم أجمع الذي كان وقتها صامتاً يراقب ما يجري فقط.

ربما حضرت كوباني بقوة بسبب القصص التي رويت عن أبطالها، أبطالها الذين فارقناً بعضهم ولا يزال قسم منهم موجوداً بيننا، وبالطبع كان أبو ليلى حاضراً معي عند الكتابة، إذ لا يزال صوته يتردد بأذني من الرسائل الصوتية التي كانت بيننا، ومثله المقاوم الذي لا يزال معنا والذي كان بطل عملية مولد الكهرباء، وأطباء كوباني الذين نذروا أنفسهم لإنقاذ الأرواح بظروف تعتبر الأسوء والأفظع في تاريخ الطب والإنسانية، نواف صال وجال في سوريا بعد تحوله لمصور صحافي ينقل معاناة أطفال سوريا والنازحين والهاربين من جحيم الرايات السوداء، بإشارة إلى تضحيات الصحافيين الذين قضى منهم من قضى برصاصات غادرة وتفجيرات لا إنسانية.

وبانتظار انقشاع الغيمة عن مستقبل أطفال سوريا ألف تحية لهم ومثلها لكوباني الجميلة.