الرئيسيةمقالاتتركيّا، إيران …والبحث عن أدوار إقليميّة

تركيّا، إيران …والبحث عن أدوار إقليميّة

بقلم الكاتب السياسيّ والإعلاميّ: جميل رشيد

تمرّ الأزمة السّوريّة بمنعطف خطير وشديد الحساسيّة للغاية، لجهة المسارات الجديدة المطروحة كأطر للحلّ، تملي بشكل أو بآخر إرادات من يعتبرون أنفسهم “منتصرين” في الحرب على الإرهاب، في غياب مطلق للإرادات الشعبيّة والوطنيّة التي قاتلت وصمدت على الأرض، ودفعت أثماناً باهظاً في المواجهة مع كافة صنوف الإرهاب.

إرادات المنتصرين، هي من تكتب نهايات الحروب

تاريخيّاً، نهاية الحروب مثّلت إرادة “المنتصرين” فيها، كما حصل في نهاية الحرب العالميّة الثانية والتي توجّت باتّفاقيّة “يالطا” بين أمريكا وروسيّا (الاتّحاد السوفياتيّ آنذاك)، حيث قُسّمت فيها أوروبا بين شرقيّة تابعة للسوفييت، وغربيّة تابعة لأمريكا.

غير أنّ الأمر مختلف نوعاً ما في سوريّا، حيث التوافقات تُبنى ليس على المصالح وتقاسم مناطق النفوذ فقط، بل أيضاً على تقسيم اللوحة إلى مربّعات “شيطانيّة”، يصعب فكّ ألغازها غداً، وتكون قنابل موقوتة جاهزة للانفجار في أيّ لحظة.

“احتلالان” للأراضي السّوريّة

الوجود الإيرانيّ والتركيّ على الأراضي السّوريّة، بوصفهما “احتلالان” متكاملي الأركان، ينزعان نحو الإبقاء على فتيل ونار التوتّر والصراع متّقدةً، رغم قرب إطفائها، وفق كلّ المؤشّرات والمعطيات. علاوة على ذلك، يبدو أنّه انبثقت إرادة دوليّة وإقليميّة بضرورة إنهاء الأزمة، والبدء بمرحلة أخرى، سمتها الأساسيّة؛ سوريّا جديدة وبمواصفات “هجينة”، والتي أقلّ ما يُقال عنها، بأنّها تقطع مع ماضيها الاستبداديّ والقمعيّ.

إنهاء الأزمة السّوريّة مرهون بالدرجة الأولى بالقضاء على كافة صنوف الإرهاب وبكلّ مسمّياته وتلاوينه، وهذا لا يُسقط البتّة إنهاء الدور التخريبيّ لكلّ من تركيّا وإيران من حسابات اللاعبين الدوليين. اللتان – أي تركيّا وإيران – وجدتا فيها مسرحاً لتنفيذ مشاريعهما الطائفيّة، عبر تكريس الانقسام الطائفيّ والمذهبيّ بين “السنّة” و”الشيعة”، وتشكيل محاور وأحلاف وتكتّلات، ساهمت في هدر دماء السّوريين، والقتل على الهُويّة والانتماء الطائفيّ.

“تركيّا وقطر تدعمان الإرهاب”

الرهان التركيّ على “الحلف السنّيّ” بالتشارك مع قطر والسعوديّة، سقط فعليّاً بعد الاستدارة السعوديّة الكاملة نحو أمريكا والعمل وفق أولويّات سياستها وإستراتيجيّتها الجديدة في منطقة الشرق الأوسط المتمثّلة بالقضاء على الإرهاب والسير نحو “عَلْمَنَةِ” الدّولة السعوديّة بكلّ تفاصيلها الدقيقة، وقطع الدعم عن الحركات الإسلامويّة التكفيريّة، والتركيز على المواجهة المقبلة مع إيران والتي تبحث عن نفوذ إقليميّ واسع لها تحت شعار “التطيّف الشيعيّ”. حتّى أنّ المقاطعة الخليجيّة – المصريّة لقطر جاءت ضمن هذا السياق، لتسقط الورقة الأخيرة التي كانت تحارب بها تركيّا في المنطقة، والقيادة التركيّة مدركة جيّداً أنّها غير قادرة على تحقيق أيّ انتصار يذكر في السّاحة السّوريّة دون الاعتماد على حلفاء الأمس، ومعارضيها اليوم.

توجيه مستشار الأمن القوميّ الأمريكيّ “هربرت ماكماستر” أصابع الاتّهام لكلّ من تركيّا وقطر، بدعمهما للإرهاب، لم يأتِ من فراغ، وإنّما أيّدته وقائع وأدّلة عديدة، تثبت حجم التورّط التركيّ – القطريّ في دعم الإرهاب في سوريّا وغيرها من دول المنطقة.

تركيّا …واللعب على المتناقضات

لعبت تركيّا كثيراً على المتناقضات التي ولّدتها ثورات الشعوب في المنطقة، عبر الاستثمار السياسيّ والعسكريّ في الإسلام السياسيّ وحتّى الاقتصاديّ في قضايا اللاجئين وابتزاز الدول الغربيّة بها. وكلّ الاعتقاد أنّها وصلت إلى طريق مسدود. فهي تتحرّك يميناً وشمالاً لتبحث عن دور فعّال وحيويّ لها في سوريّا، مدفوعة بالهاجس الذي يقلقها؛ “صعود البعبع الكرديّ” الذي يقضّ مضاجعها، ليس في روج آفا فقط، بل على مستوى كردستان ككلّ والمنطقة، فبدأت تتخبّط خبط عشواء وتبدي التنازل تلو الآخر ولكافة الأطراف، لكبح جماح التطوّرات التي يحرزها الكرد وشركاؤهم في شمال سوريّا.

انتشار عسكريّ في كامل المنطقة

حاولت تركيّا توسيع مناطق نفوذها في المنطقة، على حساب مصالح شعوبها، ولتتعارض في بعض من مفاصلها مع توجّهات ومصالح الدول العظمى أيضاً، كأمريكا وروسيّا والاتّحاد الأوروبيّ. بناء قاعدة عسكريّة لها في قطر، والقريبة من قاعدة “عيديد” الأمريكيّة، إنّما تعتبر عنصر تهديد حقيقيّ يهدّد وينسف وجود الثانية، وهي في ذات الوقت مركز استخباراتيّ تركيّ متقدّم وخنجر في الخاصرة الخليجيّة، لتدعيم انتشار حركة “الإخوان المسلمين” فيها، وذلك بتمويل قطريّ مكشوف.

باشور كردستان محتلّة من قبل تركيّا

كذلك وجود قاعدة عسكريّة تركيّة في الصومال، أيضاً يهدّد القرن الإفريقيّ بأكمله، وتعتبر الملاذ الآمن والوحيد لكافة الحركات الإسلامويّة الإرهابيّة، التي فتكت بالصومال والشعب الصوماليّ منذ عقود. فيما وجود (18) قاعدة عسكريّة تركيّة في باشور (جنوب) كردستان، والتي استقرّت فيها منذ عام 1992 وبقرار من حكومة الإقليم والحزب الديمقراطيّ الكردستانيّ، هذا عداك عن المقرّات الاستخباراتيّة للـ(MIT) التركيّ، التي تتجسّس على كافة أنشطة شعب باشور كردستان، وكذلك قنصليّات وممثّليّات الدول الأجنبيّة فيها، ممّا يجعل باشور كردستان محتلّة من قبل الدولة التركيّة. فالقوّات التركيّة كانت على تماسٍ وتواصلٍ مباشر مع مرتزقة داعش، وسهّلت لتنظيم داعش الإرهابيّ للسيطرة على الموصل والتمدّد في المنطقة. كلّ هذه المعطيات، إنّما يضع استقرار المنطقة بأكمله تحت رحمة الأتراك، الذين يستغلّون كلّ فرصة لقضم المزيد من أراضي دول المنطقة وإلحاقها بأراضيها، والقضاء على حلم الشعوب في التحرّر والانعتاق.

أكملت تركيّا حلقة انتشارها في المنطقة، باحتلالها مناطق في مقاطعة الشهباء (جرابلس، الباب، إعزاز) وكذلك في إدلب، في سعي منها إلى إجهاض التجربة الفيدراليّة في شمال سوريّا، ومقارعة الدول الكبرى في الحفاظ على مناطق نفوذ لها، كجزء من حلمها العثمانيّ في التمدّد في المنطقة، وبناء إمبراطوريّة (عثمانيّة – إسلامويّة – سنّيّة)، تُعيد تسليط “أمجاد الخازوق العثمانيّ” و”الحرملك العصمنليّ” على رقاب شعوب المنطقة، وهو ما بدى ظاهراً في ممارساتها في المناطق السّوريّة المحتلّة.

تركيّا من خلال دورها، تقود المنطقة إلى المزيد من “التصارع” والتقسيم والتجزئة على أسس طائفيّة ومذهبيّة، وادّعاؤها بالدفاع عن القدس، ما هو إلا لخداع شعوب المنطقة، ولجرّها إلى صراعات أخرى، تصبّ في النهاية في خدمة أطماع الدولة التركيّة وحدها.

تدافع عن القدس… وحجم الصادرات التركيّة إلى إسرائيل (20) مليار دولار..!!

من خلال الوثائق التي تمّ تسريبها للإعلام؛ فإنّ الدولة التركيّة وفي ظلّ حكم حزب العدالة والتنمية وأردوغان، قد اعترفت بالقدس عاصمة أبديّة لإسرائيل قبل أن يعلنها ترامب ذاته، وتصريحات مسؤوليها حول الدفاع عن الشعب الفلسطينيّ، ما هي إلا أكذوبة لم تعد تنطلي على أحد. فالأرقام أصدق من تصريحاتهم، حيث تشير آخر أرقام التبادل التّجاريّ بين تركيّا وإسرائيل، بأنّ الصادرات التركيّة لإسرائيل وصلت إلى (20) مليار دولار سنويّاً، حسب صحيفة الزمان التركيّة، وهذا الرقم يفوق حجم التبادل التّجاريّ بين الدولتين في ظلّ كافة الحكومات المتعاقبة في تركيّا.

الاتّفاق النوويّ الإيرانيّ الأمريكيّ جرعة إضافيّة لإيران للتدخّل في المنطقة

إيران، هي الأخرى في سباق محموم مع تركيّا وكافة القوى في المنطقة، للبحث عن نفوذ إقليميّ، ينافس الدول العظمى أيضاً. وتأجيجها الصراعات المذهبيّة والطائفيّة في المنطقة، بدءاً من اليمن، ومروراً بالعراق وسوريّا، وصولاً إلى لبنان، إنّما مبعثه توطيد دور حلفائها للحفاظ على مصالحها، كدولة شأن في المنطقة.

توقيع الاتّفاق النوويّ بين إيران وأمريكا، ورفع العقوبات عنها بشكل جزئيّ، منحها الضوء الأخضر في زيادة تدخّلاتها في المنطقة، وفي مقدّمتها سوريّا.

افتتاح مدارس “التشيّع والحسينيّات”

استقدام إيران لقوّاتها إلى سوريّا وكذلك الميليشيّات الشيعيّة المتطرّفة من أفغانستان وباكستان، وخوضها معارك دامية فيها وكأنّها جزء من الأراضي الإيرانيّة، تنطوي على مخاطر جدّيّة تؤثّر على مستقبل سوريّا بشكل واضح، وتقوّض أيّ مسعى لحلّ الأزمة السّوريّة سياسيّاً وسلميّاً. فرغم الانزعاج الأمريكيّ من هذا التواجد في سوريّا، إلا أنّ إيران سعت إلى تكريس دورها، عبر مصادرة قرار النظام، وصعوبة انفكاك الأخير من العلاقة التي باتت “عضويّة” إلى حدّ ما بين الطرفين، حتّى وصل بها الأمر إلى افتتاح المدارس التي تنشر فكر “التشيّع” والحسينيّات في سوريّا، وشراء الأراضي والعقارات في المدن الكبرى، ورفع صور “الخمينيّ” “وخامنئيّ” في المدن وعلى الحواجز، وعدم السماح للنظام في إدارة المناطق ذات الأغلبيّة الشيعيّة، هذه الممارسات التي لا تقيم وزناً “للسيادة السوريّة”، تهدّد مستقبلاً أيّ توافق بين مكوّنات المجتمع السّوريّ المتعدّد الطوائف والمذاهب والأعراق والانتماءات.

روسيّا وصعوبة تقليص الدور الإيرانيّ في سوريّا

الدور الرّوسيّ في سوريّا منذ أيلول 2015، حفّز إيران على الانخراط أكثر فأكثر في الرمال السّوريّة المتحرّكة. فاستغلالها لهذا الدور، جعلها ممسكة بأكثر الأوراق قوّة، وفق رؤيتها، ألا وهي ورقة النظام وما تدّعيه بـ”شرعيّته”. فحتّى الرّوس باتوا يجدون صعوبة في تقليص الدور الإيرانيّ في سوريّا، على رغم الضغوطات الأمريكيّة عليها.

وجود “حزب الله” في سوريّا وبتشكيلته العقائديّة والعسكريّة المبنيّة على الارتباط بـ”ولاية الفقيه”، وجعله الأراضي السّوريّة مسرحاً لعمليّاته، إنّما يزرع بذور الشقاق والانقسام في سوريّا، ويجعل الوصول إلى حلّ نهائيّ للأزمة السّوريّة بعيد المنال، بل يمهّد لتقسيم سوريّا وفق الولاءات المذهبيّة والطائفيّة، على اعتبار أنّه – أي حزب الله – يعتبر “إيران الشيعيّة” المرجعيّة النهائيّة له.

إنّ مخاطر الوجود التركيّ والإيرانيّ، تتجاوز في بعدها الإستراتيجيّ كونَها وليدة الأزمة التي تمرّ بها سوريّا منذ سبع سنوات فقط، فهي حديثة – قديمة وتمتدّ لعقود طويلة، وتضع مستقبل المنطقة برمّته على كفّ عفريت، وربّما التحرّر من كليهما قد يستتبع حروباً أخرى أكثر دمويّة، ويبدو في الأمد المنظور أنّها باتت على الأبواب، إذا لم تتأهّب شعوب المنطقة للدفاع عن نفسها ضدّ كلّ أشكال الهيمنة المتستّرة تحت قناع الدين والمذهب.