الرئيسيةمقالاتسوريا بوابة الصراع الدولي الجديد

سوريا بوابة الصراع الدولي الجديد

العنف يولد العنف، مقولة قرأناها وترددت كثيراً في مسامعنا، لكن في سوريا رأيناها وجربناها وعشناها.

فلاتزال الأزمة السورية تتشابك وتتزايد في التصعيد بعد مرور سبع سنين من القتل والتهجير والدمار وشتى اصناف العذاب التي يعاني منها السوريون عامة .

لقد أصبحت الساحة السورية ساحة لتصفية الحسابات الدولية ضمن رقعة الجغرافية السورية وانتقلت الأدوار من صراع الوكلاء والأدوات لصراع الأصلاء.

فالسوريون وبكل أطيافهم وبمختلف انتماءاتهم وحتى اصطفافاتهم السياسية، أصبحوا مجرد وقود لنيران حرب مستعرة تتناوب القوى الدولية على إخمادها تارة تحت مسميات مختلفة وزيادة وتيرة اشتعالها أحياناً أخرى طبقاً وتماشياً مع أجندات ومصالح القوى العظمى.

الصراع الحقيقي الذي تدور رحاه الآن على الساحة السورية يشبه إلى حد بعيد الصراع بين القطبين الرئيسين عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، بين الاتحاد السوفيتي السابق والولايات المتحدة الامريكية، لكن مع اختلاف البقعة الجغرافية.

يخطئ من يظن أن المسألة مازالت عالقة بين السوريين أنفسهم وأنه خلاف بين معارضة ونظام، فقد تعدى الأمر نطاق الجغرافية السورية بكثير وانتقلت إلى مرحلة التدويل، وسوريا هي مسرح للعمليات وايصال الرسائل.

ومسرحاً لعرض كل صنوف الأسلحة التي يتم عرضها بصورة مباشرة وحية على أجساد السوريين لتحقيق أعلى نسبة مبيعات للدول المصنعة والتي تجتمع كل شهر في مجلس الأمن لتذرف الدموع على الشعب السوري.

لقد بات واضحاً أن الاصطفافات السياسية تتمحور حول حلفين متضادين أحدهما بزعامة الولايات المتحدة والثاني بقيادة روسيا، وكل منهما يحاول فرض هيبته وسيطرته وإعادة رسم ملامح شرق أوسطية جديدة تتماشى مع طموحاته وإمكاناته وحجم ثقله الدولي الحقيقي.

إن العلاقات الدولية في خضم الانقسام الواضح حول سوريا تعيد إلى الأذهان أزمة الصواريخ الكوبية التي كادت أن تشعل فتيل حرب نووية في ظل عالم متعدد الاقطاب آنذاك متمثلا بالاتحاد السوفيتي وأمريكا.

في سياق كل هذه التغيرات والتطورات ولتحجيم الدور الروسي الذي بدأ يتنامى من البوابة السورية كان لابد من عمل عسكري تقوده الولايات المتحدة مع حلفائها في القارة العجوز، وكان المكان الأفضل لإيصال هذه الرسالة هو سوريا، فقامت بتوجيه ضربة ليس هدفها عسكرياً بقدر ماهي رسالة تحمل بمضمونها وطياتها التفوق والتسيد الأمريكي على العالم.

والرسالة السياسية ليست فقط للروس بل هي رسالة واضحة أيضا للأتراك والإيرانيين كونهم ضمن الجناح الروسي فيما يحدث بسوريا.

فبعد الحديث عن إمكانية سحب القوات الأمريكية من سوريا وترك الملف السوري للحلفاء حسب زعم الإدارة الامريكية تأتي هذه الخطوة لتأكيد العكس تماماً، ولتوجيه تحذيرات تشمل أنقرة التي تجاهلت حليفتها الاستراتيجية في الناتو بتقربها من العدو التاريخي للولايات المتحدة وهم الروس، لاسيما بعد الإعلان عن المساهمة الروسية لبناء المفاعل النووي التركي وتوقيع اتفاقيات لشراء أسلحه اس 400 ما اعتبرته أمريكا بمثابة استهزاء أو توجيه صفعة لهيبة ومكانة أمريكا الحليف الاستراتيجي لتركيا، عدا عن الخلاف الأمريكي التركي داخل الأروقة السورية.

إن تداعيات هذه الضربات ستتضح رويداً وستنعكس على أرض الواقع من خلال ممارسة الضغوط السياسية لحض النظام ومن خلفه روسيا لبدء وضع الخطوط العريضة لملامح الحل السياسي وربما يكون جنيف ولكن بحلة جديدة ومخرجات جديدة يتوافق عليها جميع الأفرقاء.

إن الضربات من قبل الثالوث الغربي ستسهم في خلق تحالف جديد يؤسس لرسم خريطة طريق للأزمة السورية ورؤية موحدة للحل خارج مجلس الأمن الذي أصبح مشلولاً نتيجة الفيتو الروسي، وستكون نواة لتأسيس حلف غربي قديم المنشأ لكن جديد الاستراتيجية والخيارات.

في النهاية لابد أن نتساءل أين السوريين من كل ما يجري على أرضهم، فالصراع أضحى صراعاً دوليا بوابته دمشق، ولن تتوقف النار السورية حتى تنتهي اللعبة الأمريكية الروسية.

حسين العثمان