الرئيسيةمقالاتكُرد سوريـــــــا والعرب… رَأبُ الصَّدع

كُرد سوريـــــــا والعرب… رَأبُ الصَّدع

باتَ واضحاً أنَّ سوريا بعد انتهاء الحرب لن تكونَ نفسها كما كانت قبل الحرب، فالحرب التي بدأت في العام 2011، وبدأت ملامحُ بدايةٍ نهايتها في أواخر العام 2017، سَتحدثُ تغيُّرات جذريَّة على جميع الأصعدة، بدءاً من شكل ونظام الحكم، مُروراً بالواقع الاجتماعي والديموغرافي والعلاقات الخارجية، وصولاً إلى الواقع الاقتصادي المُدمر بشكلٍ شبه كُلّي.

وكثُرت خلال العام 2017، أُطروحاتُ الحَلِّ السياسي بعد عُقمِ الحلول العسكرية، وباتَ الجميع مقتنعاً بوجوب التوجُّه والسير نحو الحل السياسي مهما كانت الأثمان، إلَّا أن هذا الحل السياسي نفسه ليس بالأمر السَّهل الذي من المُمكن الحصول عليه دون تنازلات من قبل جميع الأطراف، خصوصاً من قبل الرئاسة السورية نفسها، خصوصاً وأنَّ الهدف المُتَّفق عليه محلياً وإقليمياً ودولياً هو الحفاظ على سوريا الدولة بعيداً عن الانقسامات والتقسيمات، فُعّلت الأصوات للاتجاه نحو الفيدرالية كونها الحل الأمثل المُرضي للجميع أو على الأقل النسبة العُظمى من القوى المُتناحرة على الأرض.

مع الإشارة إلى أنَّهُ لو كان الأمر متعلقاً بالسوريين أنفسهم، ربَّما كان من السّهل الوصول إلى حلٍّ يتناسبُ مع رؤى وتطلُّعات الجميع، إلَّا أنّض الأمر مرهونٌ بحسابات الارتهان أو التحالف مع القوى الخارجية، والتي باتت مُتجذّرةً في المسألة السورية بشكلٍ لافتٍ وأكيد، فلا حلول إلَّا عبر بعض الدول، وهي على الأقل الولايات المتحدة الأميركية وروسيا وإيران وتركيا والمملكة العربية السعودية، وإذا أردنا التّوسُّعَ قليلاً فمن المُمكن الحديث أيضاً عن الإمارات العربية المتحدة وجمهورية مصر العربية وقطر، بالإضافة إلى فرنسا وألمانيا.

فَالأمر مُعقدٌ شئنا أم أبَينا، والتعقيد لا يقتصرُ على التشابُكات السياسية الإقليمية والعالمية، بل يتعلُّق بواقع الشَّرخ السوري – السوري، فَللحرب آثارها النفسية والسُّوسيولوجيَّة المُدمّرة، والتي تجعل إعادة الُّلحمة تحت سقف الوطن الواحد أمرٌ مستحيلٌ خصوصاً خلال السنوات الأولى التي تَلي وقف الحرب بالكامل، ولعلَّ الواقع اللبناني خيرُ مثالٍ على الشَّرخ المجتمعي المُدمّر للمجتمع الذي يمرُّ بالحرب الأهلية، ففي لبنان ورغم الإيحاءات الكاذبة بالخروج من الحرب الأهلية بوطنٍ واحدٍ مُوحَّدٍ، إلَّا أنَّ الواقع على الأرض مُعاكسٌ تماماً، فلبنان ومع توقُّف آلة القتل واجهَ واقعاً تقسيمياً للمجتمع اللبناني، وهذا التقسيم لم يقتصر على الجغرافيا بل في بنية المجتمع نفسه، والفارق بين التقسيم واللا تقسيم هو الإعلان الرسمي للتقسيم، وما يجري حالياً على الأرض من منطق المُحاصَصَة والتَّبعيَّة الدينيَّة والطائفيَّة يُؤكّدُ هذا الأمر، ولَزَمَ اللبنانيون فترةً امتدَّت لأكثر من عشر سنوات ليتقبَّل ابن منطقةٍ ما الوافدَ من منطقةٍ أُخرى، مع كثيرٍ من الخوف والحرص، ولعلَّ التوترات الأمنية الماضية دلَّت وبشكلٍ أكيدٍ على أن يَدَ الجميع لا تزالُ على الزّناد، فَكلٌّ يُريدُ الحفاظ على مكتسبات طائفتهِ ومنطقتهِ.

ومن هنا فإنَّ الشعب السوري ورغم تعلُّق الجميع بكل مُكوّناتهم العرقية والدينية والطائفية بسوريا كوطنٍ، إلَّا أنَّ مسألة تَقبُّل الآخر تُعتبرُ حاجزاً كبيراً يمنعُ التوافقَ الفوريَّ والتَّامّ، فابن اللاذقية لن يتقبَّل أوامر ابن الحسكة، وابن الرقة لن يتقبَّل الوافد من طرطوس، ولا بُدَّ من المُرور بفترةٍ انتقاليةٍ تُمهّد لمسألة تقبُّل الآخر، ومن هنا فالحلُّ الفيدرالي يبدو مناسباً بل ضرورياً لأقصى الدرجات، خصوصاً وأنه (أي هذا الحل) سَيُحافظُ على خصوصيَّة كل منطقة وخصوصية كل قوميّة وطائفة، ولعلَّ ما تقومُ به الإدارة الذاتية في منطقة الشمال السوري من تنظيمٍ للحكم الداخلي الذاتي ربَّما يُعتبر انموذجاً حيَّاً لما من المُمكن أن تكون عليه الأمور في سوريا، وربَّما يكون هذا الحل الذي يُرضي كافَّة المُكوّنات دون استثناء.

الإدارة الذاتية بشمال سوريا ربَّما استبقت الحُلول فَعَمَّمَت فكرة المجالس المدنية لإدارة المناطق، واستحدثت نظام الكومينات، الذي رأى النور من خلال انتخابات شرعية جَرَت بسلاسةٍ وهدوء، وهذا الأمر إن تمَّ تعميمهُ في سوريا سيكون دون شكٍّ مفتاح الحل لتهدئة الأوضاع، خصوصاً وأن كل منطقة ستختار من يُديرها ويتحكَّم بأمورها المعيشية والاقتصادية العامَّة والاجتماعية والأمنية، وأكدت الانتخابات التي جرت لاختيار ممثلي الشعب في الكومينات أنه لا عزاء لمن اتَّهم الكُردَ بالعنصرية والعمل على تهجير العرب وتغيير الواقع الديموغرافي في منطقة (روج آفا) بالشمال السوري، فها هي انتخابات الكومينات تُؤكد الاتجاه الصحيح الذي يسلكهُ أهالي تلك المنطقة، من خلال اختيار المجموعات والأشخاص الذين سَيُسيّرونَ أمورهم ويراقبون أحوالهم المعيشية والتنموية والأمنية، وذلك بعد موجةٍ كبيرةٍ من الأكاذيب التي طالت الانتخابات هذه نفسها والتي وصلت إلى حدّ وصفها بانتخابات بعض الأنظمة العربية التي تنتهي بنتيجة نعم بنسبة 99.99%.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الكاتب اللبناني: فادي عاكوم